قائمة الموقع

"الخوف الأكبر أن نموت تحت الركام".. نبوءة الطبيب ميسرة الريس التي تحققت بعد عامين ونصف

2026-07-14T11:41:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لم يكن الطبيب الفلسطيني ميسرة عزمي الريس يتخيل أن الكلمات التي كتبها قبل أيام من استشهاده ستتحول إلى واحدة من أكثر الشهادات الإنسانية إيلاماً في الحرب على غزة. كتب يومها: "الخوف الأكبر أن نموت تحت الركام دون أن يسمعنا أحد"، لتصبح تلك العبارة لاحقاً وصفاً دقيقاً لمصيره ومصير عائلته، بعدما ظلوا مدفونين تحت أنقاض منزلهم نحو عامين ونصف، قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ أخيراً من انتشال رفاتهم في يوليو/تموز 2026.
كان ميسرة الريس، البالغ من العمر 32 عاماً، واحداً من الوجوه الفلسطينية الشابة التي جمعت بين التفوق الأكاديمي والعمل الإنساني. تخرج بامتياز من كلية الطب في جامعة الأزهر بغزة عام 2018، ثم حصل بعد عام واحد على منحة "تشيفنينغ" البريطانية المرموقة، التي فتحت أمامه أبواب الدراسة في جامعة King's College London، حيث نال درجة الماجستير في طب النساء وصحة الأطفال عام 2020.
ورغم الفرص التي كانت متاحة أمامه للبقاء خارج غزة، اختار العودة إلى مدينته المحاصرة، مؤمناً بأن مكان الطبيب الحقيقي هو بين المرضى الذين يحتاجونه. التحق بالعمل مع منظمة أطباء العالم (Médecins du Monde)، وكرس جهوده لخدمة النساء والأطفال في القطاع، كما نشر أبحاثاً علمية في مجلات دولية متخصصة، بينها مجلة Prehospital and Disaster Medicine، تناولت الرعاية الصحية في مناطق النزاعات والكوارث.
لكن الحرب وضعت نهاية مأساوية لمسيرة الطبيب الشاب.
في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، استهدفت غارة إسرائيلية منزل عائلته المكون من أربعة طوابق في حي الرمال بمدينة غزة، فدمرته بالكامل. استشهد ميسرة مع والديه، الطبيب عزمي الريس وزوجته، وشقيقتيه، وطفلي إحدى شقيقتيه.
أما شقيقاه، مؤيد ومحمد، فقد نجوا من القصف الأول، وبقيا محاصرين بين الأنقاض، يحاولان التواصل مع فرق الإنقاذ لإنقاذ من بقي تحت الركام. إلا أن قصفاً جديداً استهدف المكان، ليقضي عليهما أيضاً، وتتحول الأسرة بأكملها إلى ضحية واحدة.
وبسبب انهيار منظومة الدفاع المدني، ونقص المعدات الثقيلة، واستمرار القصف، بقيت جثامين العائلة مدفونة تحت أنقاض المنزل طوال تلك الفترة، في مشهد يجسد ما عاشته مئات العائلات الفلسطينية التي لم تتمكن حتى من دفن أحبائها.
وفي يوليو/تموز 2026، وبعد مرور نحو عامين ونصف، تمكنت فرق الإنقاذ والمواطنون من إزالة الركام والوصول إلى رفات أفراد العائلة، لتنتهي رحلة انتظار مؤلمة امتدت لسنوات، ويُوارى الطبيب الذي حلم بإنقاذ الأرواح الثرى أخيراً.
ولم تكن قصة ميسرة مجرد قصة طبيب قُتل في الحرب، بل أصبحت رمزاً لفقدان جيل كامل من الكفاءات الفلسطينية. فقد أثار استشهاده ردود فعل واسعة في الأوساط الطبية والأكاديمية الدولية.
منظمة أطباء العالم أدانت استهداف المدنيين والعاملين في القطاع الصحي، مؤكدة أن الهجمات المتكررة على الطواقم الطبية تقوض الحق في الرعاية الصحية.
أما King's College London، الجامعة التي احتضنت مسيرته الأكاديمية، فقد نعته في بيان مؤثر، واصفة إياه بأنه طبيب متميز وموضع احترام واسع بين أساتذته وزملائه، وأنه كرس حياته لتحسين صحة النساء والأطفال في المناطق المتأثرة بالحروب. كما أقامت الجامعة مراسم تأبين رسمية شارك فيها أكاديميون وممثلون عن السفارة الفلسطينية.
وأعربت وزارة الخارجية البريطانية، المشرفة على برنامج تشيفنينغ، عن صدمتها باستشهاد أحد خريجي البرنامج، في رسالة عزاء نشرتها عبر منصة (X)، مستذكرة مسيرته الإنسانية والمهنية.
ولم تتوقف ذكراه عند بيانات النعي، إذ أعلنت King's College London، بالتعاون مع عائلته وأصدقائه، إطلاق منحة "الدكتور ميسرة الريس"، لدعم الطلبة الفلسطينيين الراغبين في دراسة برامج الماجستير لمدة عام في مجالات الصحة والعلوم الصحية، ليبقى اسمه مرتبطاً بإعداد أطباء جدد يحملون الرسالة التي آمن بها.
وقبل رحيله، كتب ميسرة أيضاً عبارة أخرى بدت وكأنها وصيته الأخيرة: "حاسس إني حابب أضل بغزة أكثر من أي وقت تاني لأني كرهت العالم كله."
وبين كلماته التي سبقت استشهاده، والمنحة التي تحمل اسمه اليوم، تمتد حكاية طبيب لم يغادر غزة حين استطاع، واختار أن يعود إليها ليعالج أبناءها، قبل أن يصبح هو نفسه واحداً من ضحاياها؛ طبيبٌ تنبأ بمصيره، وانتظر عامين ونصفاً حتى يسمع العالم صوته من تحت الركام.

اخبار ذات صلة