لم يكن خبر وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أعلنه الديوان الأميري القطري صباح الأحد، مجرد حدث سياسي بالنسبة لسكان قطاع غزة، بل أعاد إلى الواجهة صفحات راسخة من تاريخ العلاقة بين الأمير الراحل والقطاع المحاصر، واستحضر مواقف تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية.
وفور إعلان الوفاة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي في غزة برسائل النعي والدعاء، وتداول الفلسطينيون صورًا من زياراته التاريخية للقطاع، إلى جانب مشاهد للمشاريع التي حملت اسمه، مؤكدين أن الأمير الوالد سيظل حاضرًا في وجدانهم بوصفه أحد أبرز القادة العرب الذين وقفوا إلى جانب غزة في أصعب مراحلها، سياسيًا وإنسانيًا وتنمويًا.
وأعلن الديوان الأميري القطري في بيان رسمي وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عامًا، مشيدًا بمسيرته الوطنية ودوره في خدمة دولة قطر، فيما استعاد الفلسطينيون جانبًا آخر من هذه المسيرة ارتبط بدعم القضية الفلسطينية والدفاع عنها في مختلف المحافل.
ويحتفظ أهالي قطاع غزة بمكانة خاصة للأمير الراحل، الذي أصبح أول زعيم عربي يزور القطاع رسميًا خلال سنوات الحصار، في زيارة اعتُبرت آنذاك تحولًا سياسيًا وإنسانيًا مهمًا، ورسالة واضحة برفض عزل غزة أو التخلي عن سكانها.
لكن علاقة الشيخ حمد بغزة لم تبدأ عام 2012، إذ تعود إلى سنوات أسبق، عندما زار قطاع غزة عام 1999، واستقبله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في زيارة جاءت خلال مرحلة سياسية حساسة أعقبت تعثر تنفيذ اتفاق "واي بلانتيشن". وحملت الزيارة آنذاك رسائل دعم للقيادة الفلسطينية، كما اكتسبت أهمية استثنائية باعتبار الشيخ حمد أول زعيم خليجي يزور الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967.
غير أن الزيارة التي بقيت الأكثر حضورًا في الذاكرة الفلسطينية كانت تلك التي جرت في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2012، عندما وصل الأمير الوالد إلى قطاع غزة برفقة الشيخة موزا بنت ناصر ووفد قطري رفيع المستوى، في أول زيارة رسمية لزعيم عربي إلى القطاع بعد فرض الحصار الإسرائيلي.
وشكلت الزيارة حدثًا استثنائيًا، إذ استقبل آلاف الفلسطينيين الأمير الوالد في مشهد عكس حجم التقدير الشعبي لموقفه، فيما اعتُبرت الزيارة كسرًا عمليًا للحصار السياسي المفروض على القطاع، ورسالة تضامن مع أكثر من مليوني فلسطيني كانوا يرزحون تحت ظروف إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة.
وخلال الزيارة، أعلن الشيخ حمد رفع قيمة المنحة القطرية المخصصة لإعادة إعمار قطاع غزة من 254 مليون دولار إلى 407 ملايين دولار، لتصبح واحدة من أكبر المنح العربية المخصصة لإعادة الإعمار آنذاك.
وأسهمت هذه المنحة في تنفيذ عشرات المشاريع الحيوية التي غيّرت ملامح مناطق واسعة من القطاع، وشملت إنشاء مدن سكنية، وتعبيد طرق رئيسية، وبناء مرافق خدمية، وتطوير البنية التحتية، في وقت كانت غزة تعاني من آثار الحروب والحصار.
ومن أبرز هذه المشاريع مدينة الشيخ حمد السكنية في محافظة خان يونس، التي وفرت آلاف الوحدات السكنية للأسر الفلسطينية، إلى جانب الحي القطري في جحر الديك، إضافة إلى مشاريع تطوير وإعادة تأهيل شارعي صلاح الدين والرشيد، اللذين يمثلان الشريانين الرئيسيين اللذين يربطان شمال قطاع غزة بجنوبه.
كما ارتبط اسم الأمير الراحل بمستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية، الذي تحول إلى أحد أهم المراكز الطبية المتخصصة في القطاع، وأسهم في علاج وتأهيل آلاف الجرحى وذوي الإعاقات، مقدمًا خدمات نوعية ظلت تشكل بارقة أمل لآلاف الأسر الفلسطينية.
ورغم الدمار الواسع الذي لحق بقطاع غزة خلال الحرب الأخيرة، وما تعرضت له البنية التحتية من تدمير كبير، بقيت المشاريع التي أنجزت بدعم قطري شاهدًا على مرحلة مهمة من جهود إعادة الإعمار، ودليلًا على التزام قطر بدعم الشعب الفلسطيني.
ولم يقتصر حضور الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على الجانب التنموي، بل كان حاضرًا أيضًا في مواقفه السياسية، حيث أكد في مناسبات عديدة أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، داعيًا إلى إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، ورفع الحصار، وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
وخلال زيارته للجامعة الإسلامية في غزة عام 2012، أشاد الأمير الوالد بصمود الفلسطينيين، معتبرًا أن ثباتهم في مواجهة الحصار والاعتداءات شكّل مصدر إلهام للشعوب الساعية إلى الحرية والكرامة، كما دعا إلى تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية وتسريع جهود إعادة إعمار القطاع.
وفي كلمته آنذاك، حذر من استمرار معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال وسياسات الاستيطان والتهجير، منتقدًا عجز المجتمع الدولي عن توفير الحماية للشعب الفلسطيني أو إنهاء معاناته.
وتقديرًا لمواقفه، منحت الجامعة الإسلامية في غزة الأمير الوالد وحرمه الشيخة موزا بنت ناصر درجة الدكتوراه الفخرية، تكريمًا لجهودهما في دعم القطاع، كما قدمت لهما هدايا رمزية من تراب فلسطين وزيتونها ومفاتيح المنازل الفلسطينية، تعبيرًا عن التمسك بالأرض والهوية وحق العودة.
كما استعاد الفلسطينيون مواقفه خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مطلع عام 2009، عندما دعا إلى عقد قمة عربية طارئة في الدوحة لبحث العدوان، منتقدًا حالة الانقسام العربي آنذاك، ومؤكدًا ضرورة تحرك عربي جاد لوقف الحرب.
ومن أكثر المواقف التي بقيت عالقة في الذاكرة الفلسطينية كلمته خلال افتتاح القمة العربية الطارئة، حين قال: "إنه ما إن يكتمل النصاب لعقد هذه القمة حتى ينقص، وحسبنا الله ونعم الوكيل"، معبرًا عن أسفه لغياب التوافق العربي في مواجهة العدوان على غزة.
واليوم، ومع رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يستعيد الفلسطينيون مسيرة قائد ارتبط اسمه بواحدة من أهم محطات الدعم العربي لقطاع غزة، سواء من خلال المواقف السياسية أو المشاريع الإنسانية والتنموية التي لامست حياة مئات الآلاف من السكان.
وفي شوارع غزة ومخيماتها ومدنها، لا يزال اسم الشيخ حمد حاضرًا في مدينة تحمل اسمه، ومستشفى يعالج جرحاها، وطرقات سلكها ملايين المواطنين، كما بقي حاضرًا في ذاكرة شعب رأى في زيارته رسالة تضامن عملية في وقت عزّت فيه المواقف.
ورغم مرور السنوات وتغير الظروف، يؤكد الفلسطينيون أن الأمير الوالد سيبقى جزءًا من ذاكرة غزة الوطنية، ليس فقط لأنه كسر الحصار بزيارته التاريخية، بل لأنه اقترن في وجدانهم بمواقف رأوا فيها دعمًا صادقًا لقضيتهم، وهو ما جعل رحيله مناسبة لاستحضار إرث سياسي وإنساني سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال.