قائمة الموقع

خرج يجمع الحطب فعاد شهيدًا.. الخط الأصفر يحصد أرواح الغزيين

2026-07-12T09:56:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لم يكن عمرو أبو شباب يبحث عن شيء أكثر من بعض قطع الحطب،خرج الشاب برفقة ابن خالته إلى منطقة قريبة من ما بات  يُعرف في غزة بـ"الخط الأصفر"، ذلك الخط الذي رسمه جيش الاحتلال داخل أراضي القطاع، وجعل الاقتراب منه حكمًا بالإعدام دون محاكمة.
 لم يتجاوز الشابان الخط، كما يؤكد أفراد عائلته، لكنهما اقتربا منه، وكان الاقتراب وحده كافيًا لتنهال عليهما رصاصات الجنود.
سقط عمرو وابن خالته على الأرض. لم يتمكن أحد من الوصول إليهما. لم يكن الرصاص وحده هو الذي يحاصر الجثمانين، بل الخوف من أن يتحول كل من يحاول إنقاذهما إلى ضحية جديدة.
يقول أدهم، شقيق الشهيد عمرو، إن العائلة أمضت ساعات طويلة تحاول التنسيق مع الجهات المختصة للسماح بانتشال الجثمان. كان همه الأول أن يعود أخوه إلى المنزل قبل أن تنهش الطيور والحيوانات الضالة جسده. وبعد انتظار طويل، نجحت محاولات انتشال عمرو، بينما بقي جثمان ابن خالته في المكان، وما تزال المحاولات مستمرة لاستعادته.
هذه واحدة من عشرات القصص التي صنعها "الخط الأصفر"، وهو شريط فرضه الاحتلال داخل قطاع غزة، ووسّع حدوده تدريجيًا منذ بداية الحرب، ليقتطع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمنازل والأحياء السكنية، ويحولها إلى مناطق قتل مفتوحة.
لا توجد علامات واضحة على الأرض تحدد بداية هذا الخط أو نهايته. أحيانًا يكون مجرد تقدير من السكان، وأحيانًا يتغير وفقًا لتحركات الجيش، ما يجعل آلاف المدنيين يعيشون في حالة من الخوف الدائم، لأن خطوة واحدة أو اقترابًا بسيطًا قد يكون آخر ما يفعلونه في حياتهم.
داخل هذه المنطقة قُتل مزارعون حاولوا الوصول إلى حقولهم، وشبان خرجوا لجمع الحطب أو البحث عن الطعام، وأمهات اقتربن من منازلهن المدمرة لتفقد ما تبقى منها، وأطفال وجدوا أنفسهم في مرمى النيران لأنهم لم يعرفوا أين يبدأ الخط وأين ينتهي.
ولا يتوقف خطر الخط الأصفر عند القتل المباشر، بل يمتد إلى ما بعد الموت. فكثير من الجثامين تبقى أيامًا في العراء، بعدما يمنع الاحتلال طواقم الإسعاف والدفاع المدني أو الأهالي من الوصول إليها، لتتحول عملية دفن الضحايا إلى معركة أخرى، تخوضها العائلات في محاولة لاستعادة أحبائها ومواراتهم الثرى.
كما أدى توسيع هذه المنطقة إلى حرمان آلاف الأسر من الوصول إلى أراضيها الزراعية ومصادر رزقها، وأجبر سكان مناطق كاملة على النزوح، بعدما أصبحت منازلهم تقع داخل نطاق يعتبره الاحتلال منطقة إطلاق نار، حتى وإن كانت داخل حدود قطاع غزة.
وفي ظل غياب أي ضمانات لحماية المدنيين، تحول الخط الأصفر إلى رمز جديد للخوف في غزة؛ لأنه يرسم كل يوم حدودًا جديدة بين الحياة والموت.
بالنسبة لعائلة عمرو، لم يكن الخط الأصفر مجرد منطقة عسكرية، بل المكان الذي ابتلع ابنها لأنه اقترب بحثًا عن الحطب. أما ابن خالته، فما يزال ينتظر أن تسمح رصاصة صامتة أو قرار عسكري بعودة جسده إلى عائلته، ليحصل على حقه الأخير في دفن كريم.
وقد وثقت منظمات حقوقية مرارًا إطلاق النار على مدنيين لم يشاركوا في أي أعمال قتالية، بينهم مزارعون، وجامعو حطب، ونازحون، وطواقم إسعاف وإنقاذ. كما بقيت جثامين عشرات الضحايا لساعات أو أيام في العراء بسبب منع الوصول إليها، في انتهاك للقانون الدولي الإنساني الذي يلزم الاحتلال بتسهيل إجلاء الجرحى وانتشال القتلى ودفنهم بكرامة. وبينما تتسع هذه المناطق يومًا بعد يوم، يتحول الاقتراب من الأرض إلى مغامرة قد تنتهي بالموت، ويصبح استرداد الجثمان معركة أخرى تخوضها العائلات بعد فقدان أحبائها.

اخبار ذات صلة