قائمة الموقع

لماذا بالغت جماهير البوسنة والهرسك في حب فلسطين خلال كأس العالم؟

2026-07-11T15:14:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لم يكن مشهد الجماهير البوسنية في كأس العالم وهي ترفع الأعلام الفلسطينية، وتهتف لغزة، وتحرص على إظهار تضامنها في المدرجات والشوارع الأمريكية، مجرد تعاطف مع شعب يعيش حربًا قاسية، بل بدا وكأنه استعادة لذاكرة شخصية وجماعية لم تغادرهم منذ ثلاثة عقود.

ففي الوقت الذي كان ملايين المشجعين حول العالم يشاهدون ما يجري في غزة من بعيد، كان كثير من البوسنيين يستعيدون حياتهم هم. لم يكونوا مشاهدين فقط، بل كانوا يرون في كل صورة جزءًا من ماضيهم.

كل مشهد من غزة يعيد إلى أذهانهم حصار سراييفو، والقتل، والنزوح، والبيوت المدمرة، والعائلات التي فُرقت، والانتظار الطويل أمام صمت العالم.

لهذا كانوا يهتفون لفلسطين كما لو أنهم يهتفون لأنفسهم.

جرح اسمه سربرنيتسا

يصعب فهم الموقف الشعبي البوسني من فلسطين دون العودة إلى صيف عام 1995، حين شهدت مدينة سربرنيتسا واحدة من أبشع الجرائم في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ قُتل أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى بوسني خلال أيام قليلة، وهي الجريمة التي اعترفت بها المحاكم الدولية باعتبارها إبادة جماعية.

لكن سربرنيتسا لم تكن سوى الفصل الأكثر دموية في حرب عاش خلالها البوسنيون سنوات من الحصار والقصف والتهجير، وخاصة حصار سراييفو الذي استمر قرابة أربع سنوات، ليصبح أطول حصار لعاصمة في التاريخ الحديث.

ذلك الجرح لم يلتئم حتى اليوم، ولذلك أصبح كل حديث عن الإبادة أو التهجير بالنسبة للبوسنيين قضية شخصية، لأنهم يعرفون معنى أن تتحول المدن إلى أنقاض، وأن يعيش الأطفال تحت القصف، وأن ينتظر المدنيون نهاية حرب لا تنتهي، فلا يعرف ألم الجرح إلا من اكتوى به.

غزة تعيد إليهم حصار سراييفو

عندما يشاهد البوسنيون المباني المدمرة في غزة، يتذكرون الأبنية التي سقطت في سراييفو.

وعندما يرون العائلات التي تغادر بيوتها، يستحضرون قوافل النزوح التي عرفتها بلادهم.

وعندما يشاهدون الأطفال تحت القصف، يتذكرون جيلاً كاملاً عاش الحرب قبل أن يعرف معنى الحياة الطبيعية.

لهذا لا تبدو فلسطين بالنسبة لكثير منهم قضية خارجية، بل امتدادًا لتجربة عاشوها بكل تفاصيلها، ولهذا أيضًا كان تضامنهم أكثر حرارة، لأن الذاكرة لا تحتاج إلى شرح.

 قائدهم يحمل القصة

ولا تنفصل هذه الذاكرة عن نجوم المنتخب البوسني أنفسهم.

فقائد المنتخب إيدين دجيكو نشأ خلال حصار سراييفو، وعاش سنوات الحرب طفلًا، ونجا من الموت بأعجوبة بعدما منعته والدته ذات يوم من الذهاب للعب كرة القدم في ساحة تعرضت للقصف بعد دقائق قليلة.

كبر دجيكو لاحقًا ليصبح أحد أعظم لاعبي البوسنة، لكنه ظل يتحدث في أكثر من مناسبة عن طفولته التي صنعتها الحرب، وعن الأيام التي كانت صفارات الإنذار فيها جزءًا من الحياة اليومية.

وحين يقود منتخب بلاده اليوم، فإنه يحمل أيضًا ذاكرة جيل كامل نشأ وسط الدمار.

حتى جماهيرهم … لاجئون سابقون

ولم تكن الجماهير التي ملأت شوارع الولايات المتحدة خلال المونديال مجرد جماهير جاءت لتشجيع منتخبها.

فجزء كبير من أبناء الجالية البوسنية في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا هم من أبناء الشتات، أو من عائلات اضطرت إلى مغادرة بلادها خلال الحرب في تسعينيات القرن الماضي.

يحملون قصص اللجوء، ويعرفون معنى أن تبدأ الحياة من جديد في بلد بعيد، ولذلك كان حضور فلسطين في هتافاتهم امتدادًا لذاكرة عائلية ما زالت حاضرة.

فمن ذاق مرارة التهجير، يصعب عليه أن يقف متفرجًا على تهجير الآخرين.

شعب يعرف ثمن الصمت

كل ما رأيناه من جماهير البوسنة في كأس العالم كان صادراً عن شعب يعرف ثمن الصمت الدولي.

يعرف ماذا يعني أن ينتظر الضحايا تدخل العالم فلا يأتي، وأن تتحول المآسي إلى أرقام في نشرات الأخبار.

ولهذا لم يكن تضامنهم مع فلسطين مفاجئًا، بل بدا وكأنه موقف طبيعي لشعب يرى في غزة شيئًا من تاريخه، وفي أهلها جزءًا من حكايته.

خرج منتخب البوسنة من كأس العالم، لكن جماهيره ربحت شيئًا أكبر من نتائج كرة القدم.

ربحت محبة ملايين الفلسطينيين والعرب، وتركت صورة يصعب أن تُنسى… صورة شعب لم يرَ في فلسطين قضية بعيدة، بل رأى فيها ذاكرة وطنه، وجرحًا لم يندمل، فهتف لها كما لو كان يهتف لنفسه. 

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00