مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

بعد 1000 يوم من "طوفان الأقصى".. كيف أعادت الحرب رسم خرائط الشرق الأوسط؟

الرسالة نت - خاص

لم تعد عملية "طوفان الأقصى"، بعد مرور ألف يوم على اندلاعها، مجرد مواجهة عسكرية بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، بل تحولت إلى نقطة تحول مفصلية أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ودفعت القوى الإقليمية والدولية إلى مراجعة حساباتها السياسية والأمنية والعسكرية.

فالحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تجاوزت حدود القطاع الجغرافية، لتطال أمن الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، والتحالفات الإقليمية، والعلاقات الدولية، وصولًا إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي، بعد سنوات من محاولات تهميشها لصالح مسارات التطبيع والتعاون الاقتصادي.

وفعليا، دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكل، وأن ما بعد حرب غزة لن يكون امتدادًا لما قبلها، بل بداية لنظام إقليمي جديد لا تزال ملامحه قيد التشكل.

ألف يوم من الحرب كانت كفيلة بإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط، فمنذ السابع من أكتوبر، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف ضمن أجندة الإقليم، بل تحولت إلى العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.

وانطلاقًا من هذه التحولات، تطرح "الرسالة نت" سؤالًا استراتيجيًا: كيف أعادت حرب غزة صياغة خرائط الشرق الأوسط.

سقوط فرضية "تجاوز فلسطين"

في مقال بعنوان "الشرق الأوسط بعد الطوفان" كتبه الخبير الاستراتيجي حسن الرصابي، أوضح فيه أن أولى النتائج الاستراتيجية للحرب تمثلت في انهيار الفرضية التي سادت خلال السنوات الأخيرة، والقائمة على إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية عبر مشاريع التطبيع أو إدارتها كملف إنساني يمكن احتواؤه.

ويقول الرصابي:" "طوفان الأقصى أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب التفاعلات الدولية، وأثبتت أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية في المنطقة لن تحقق الاستقرار ما لم تعالج جذور الصراع".

ويضيف أن الحرب أوقفت عمليًا مسارًا كان يتجه نحو دمج "إسرائيل" في المنطقة بمعزل عن الحقوق الفلسطينية، وهو ما أعاد القضية إلى صدارة أجندة المجتمع الدولي.

ويتفق المحلل السياسي محمد شاهين مع هذا الطرح، معتبرًا أن غزة أسقطت واحدة من أكثر النظريات رسوخًا لدى صناع القرار الدوليين، وهي أن تحسين الظروف الاقتصادية أو توسيع اتفاقيات التطبيع يمكن أن يحل محل التسوية السياسية.

ويشير خلال حديثه لـ "الرسالة نت" إلى أن الأحداث أثبتت أن فلسطين ليست قضية قابلة للتهميش، بل هي العامل الأكثر تأثيرًا في استقرار الشرق الأوسط أو اضطرابه.

ويذهب شاهين إلى أن الحرب أعادت تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط، موضحا أنه بعدما كان الأمن يُقاس بالتفوق العسكري فقط، أصبحت عناصر جديدة تدخل في معادلته، مثل أمن الممرات البحرية، والطاقة، والغذاء، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي.

ولفت إلى أن تداعيات الحرب في البحر الأحمر، وتأثر الملاحة الدولية، أثبتت أن أي تصعيد في غزة ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، الأمر الذي منح القضية الفلسطينية بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدودها الجغرافية.

من جانبه، يرى الرصابي أن الحرب وسعت نطاق الاشتباك الإقليمي بصورة غير مسبوقة، بعدما امتدت تداعياتها إلى أكثر من جبهة، وهو ما غيّر قواعد الردع التي استقرت لعقود.

ورغم امتلاك "إسرائيل" تفوقًا عسكريًا واضحًا، إلا أن الخبيرين يريان أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية.

ويقول الخبير الإستراتيجي الرصابي: إن "الاحتلال لم يتمكن، رغم مرور ألف يوم من حسم المعركة سياسيًا، أو فرض رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، ما أدخله في حالة استنزاف مستمرة".

ويعتبر أن المعركة السياسية الحقيقية بدأت مع الحديث عن "اليوم التالي" للحرب، مشيرا إلى أن الطروحات المتعلقة بإدارة غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، ومنها ما أُثير حول وثائق وخطط دولية لإدارة القطاع، تعكس حجم التنافس على رسم مستقبل القضية الفلسطينية.

ويؤكد أن أي مشروع لا يستند إلى الإرادة الفلسطينية، أو يحاول فرض ترتيبات خارجية بالقوة، سيواجه تحديات كبيرة ولن يحقق استقرارًا دائمًا.

أما شاهين، فيشير إلى أن دولة الاحتلال واجهت خسائر كبيرة على مستوى صورتها الدولية، بعد تصاعد الاتهامات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي، واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في عدد كبير من دول العالم.

ويضيف أن الحرب أعادت القانون الدولي والبعد الإنساني إلى قلب النقاش السياسي العالمي، بعدما أصبحت صور الدمار والضحايا جزءًا من المشهد اليومي للرأي العام الدولي.

عودة الدور العربي

ويرى المحلل السياسي شاهين أن الحرب دفعت العديد من الدول العربية إلى إعادة تقييم مقاربتها للصراع، بعدما أثبتت التطورات أن تجاوز القضية الفلسطينية لم يحقق الاستقرار المنشود.

ويشير إلى أن المنطقة باتت أكثر اقتناعًا بأن الأمن الإقليمي يرتبط بحل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، وأن أي ترتيبات تتجاهل هذا البعد ستظل معرضة للانهيار.

وفي ذات السياق، يؤكد الرصابي أن الحرب كشفت أيضًا عن تحولات في ميزان القوى الدولي، ففي الوقت الذي واصلت فيه الولايات المتحدة تقديم دعم سياسي وعسكري واسع لدولة الاحتلال، برزت محاولات من قوى دولية أخرى لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي في المنطقة، مستفيدة من حالة الاستقطاب التي فرضتها الحرب.

ويرى أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام أكثر تعددية في موازين النفوذ، مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

ويجمع الخبيران على أن النتيجة الأهم بعد ألف يوم من الحرب تتمثل في عودة القضية الفلسطينية إلى مركز المعادلة الإقليمية.

ويقول شاهين: إن "الأحداث أثبتت أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يشهد استقرارًا دائمًا في ظل استمرار تجاهل الحقوق الفلسطينية، وأن أي مشروع إقليمي جديد سيكون مضطرًا للتعامل مع هذه الحقيقة".

أما الرصابي، فيؤكد أن ما جرى في غزة لم يكن مجرد محطة عسكرية، بل تحول إلى حدث استراتيجي أعاد صياغة أولويات المنطقة، وفرض مراجعات عميقة لدى مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

ورغم أن ملامح الشرق الأوسط الجديد لم تستقر بصورة نهائية، فإن المؤشرات، وفق الخبيرين، تؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عنوانها إعادة توزيع موازين القوى، وإعادة تعريف مفاهيم الأمن والتحالفات، وعودة القضية الفلسطينية إلى موقعها بوصفها القضية المركزية في الإقليم.

ويختتم شاهين بالقول: "بعد ألف يوم من الحرب لم يعد السؤال من انتصر عسكريًا، بل أي شرق أوسط يتشكل فوق أنقاض هذه الحرب، وأي نظام إقليمي يستطيع تحقيق الاستقرار دون معالجة جوهر القضية الفلسطينية."

فيما يخلص الدكتور حسن الرصابي إلى أن الشرق الأوسط بعد حرب غزة لن يُبنى على نتائج المعارك العسكرية وحدها، بل على قدرة القوى الفاعلة على إنتاج تسوية سياسية عادلة تعالج جذور الصراع، لأن تجاهل القضية الفلسطينية أثبت، مرة أخرى، أنه ليس طريقًا للاستقرار، بل وصفة لإعادة إنتاج الأزمات.