مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

مقال: ألف يوم من المسلخ البشري: غزة تنهشها الأوبئة والصمت الدولي خلف "خديعة التهدئة

أيمن تيسير دلول

تُمارس وسائل الإعلام العالمية والمنظومات السياسية ساديةً مفضوحة حين تحاول تسويق "التهدئة" الحالية في غزة على أنها صك غفران أو صك أمان؛ وكأن قطار الموت قد توقف لمجرد غياب صوت الانفجارات الكبرى في بعض الساعات. وبالتوازي مع ذلك، فإن الحقيقة الميدانية الصادمة بعد مرور أكثر من ألف يوم على حرب الإبادة الجماعية، وأشهرٍ على التهدئة المعلنة بين الاحتلال الإسرائيلي وقيادة غزة، تثبت أن العالم تواطأ على إرساء "خديعة كبرى"؛ تمثلت في تهدئة سريرية حوّلت الاستقرار المزعوم إلى محرقة بطيئة تنهش في أجساد الغزيين ومستقبل أطفالهم بلا ضجيج.
إن هذا "السكون" ليس إلا غطاءً لواقع إنساني بائس ومقبرة مفتوحة؛ فالقصف المتقطع والغارات الإسرائيلية لم تتوقف مطلقاً منذ أواخر عام 2025 وحتى يومنا هذا، حاصدةً أرواح المدنيين بشكل شبه يومي في استباحة مطلقة للدم الفلسطيني.
ولم يكن انهيار برج "النيل" السكني المتصدع مؤخراً فوق رؤوس ساكنيه غرب غزة، واحتجازهم تحت الأنقاض، إلا دليلاً دامغاً على أن آلة الموت الإسرائيلية لا تحتاج دائماً إلى ضغط زر لإطلاق صاروخ؛ فالجدران الآيلة للسقوط والبنى التحتية المهترئة بفعل الاستهدافات السابقة تقوم بمهمة القتل بالوكالة، وسط غياب تام لآليات الدفاع المدني والمعدات الثقيلة المحظور دخولها بفعل الحصار.
وتأتي لغة الأرقام الصارخة لتعرّي خطايا المجتمع الدولي؛ إذ ما يزال أكثر من 90% من سكان غزة يرزحون تحت وطأة النزوح القسري المستمر، محشورين في بقعة جغرافية ضيقة تخنق الأنفاس، وتجعل من القطاع البقعة الأعلى كثافة سكانية والأكثر بؤساً في العالم.
ومع وصول فصل الصيف الملتهب إلى ذروته في شهر يوليو الحالي، يواجه النازحون في خيامهم المهترئة ومبانيهم المتضررة جحيماً مضاعفاً؛ حيث يعيش القطاع بلا قطرة وقود ولا ميغاوات كهرباء واحد منذ ما يزيد عن ألف يوم، مما يحول الخيام البلاستيكية ومراكز الإيواء إلى أفران بشرية تغلي بلا رحمة. وهي احتياجات أساسية في العالم، لكن الاحتلال الإسرائيلي منعها عن أهل غزة هذه المدة الطويلة دون أن تتحرك دبلوماسية العالم لإجباره وإنصاف المنكوبين الغزيين.
ولم تكتفِ حرب الإبادة بالقتل المباشر، بل أطلقت "الحرب البيولوجية الصامتة" عبر سلاح الأوبئة والتعطيش؛ حيث يضطر أكثر من 70% من السكان للاعتماد على شاحنات مياه لا تكاد تكفي لسد جزء من احتياجاتهم، وهو ما يجعل العطش الخانق يتزامن مع تراكم جبال من أطنان النفايات والقمامة الصلبة في الأزقة وبين الخيام بسبب تدمير عربات البلدية ومنع الوقود. هذا الأمر فجّر كارثة صحية غير مسبوقة؛ فانتشرت الأمراض الجلدية المعدية والأوبئة المعوية، وغدت الحشرات كالبعوض، والقراد، والذباب القراص، والقوارض، والزواحف السامة شريكة للناس في مضاجعهم الضيقة. ويتعمق هذا الجحيم مع انهيار المنظومة الصحية بالكامل، وخروج معظم المستشفيات عن الخدمة، وشلل شبكات الصرف الصحي التي باتت تتدفق بين خيام الأطفال والأرامل.
أما جريمة "التجويع الممنهج"، فقد بلغت ذروتها مع انعدام الأمن الغذائي الحاد لمعظم الأسر الفلسطينية؛ إذ تقلصت المساعدات إلى مستويات شحيحة، في حين عمد "المطبخ العالمي" وغيره من المؤسسات الإغاثية الدولية إلى تقليص خدماتهم ووجباتهم المجانية وإغلاق التكايا الإغاثية بشكل لافت، تاركين مئات آلاف البطون الخاوية تصارع الموت جوعاً، في ظل سوق محلي مشلول وأسعار فلكية للمواد الأساسية الشحيحة أصلاً.
إن الفاجعة الأكبر والأشد إيلاماً لهذه المحرقة تتجسد في تفكيك النسيج الاجتماعي والبشري لغزة؛ فالحرب خلّفت وراءها جيشاً من المفجوعين: أكثر من 75 ألف يتيم فقدوا أحد والديهم أو كليهما، وأكثر من 68 ألف ناجٍ وحيد يضمون قاصرين وبالغين قُتلت عائلاتهم بالكامل وشُطبوا من السجل المدني ليعيشوا فرادى في مهب الريح، يُضاف إليهم جيش من الأرامل تجاوز 45 ألف امرأة، من بينهن 28 ألف امرأة فُجِعن بأزواجهن خلال الحرب الأخيرة وحدهـا، ونحو 8 آلاف حالة مُسجلة منذ السابع من أكتوبر 2023. هذا النزيف البشري دفع بمليون فلسطيني (حوالي نصف سكان القطاع) للعيش داخل مراكز النزوح المكتظة، بينما يعيش النصف الآخر خارجها في العراء أو في بيوت مدمرة ومتهالكة لا توفر حماية بنسبة تتجاوز الـ 10%.
هذا المسلخ البشري المستمر يوضع مباشرة في خانة التواطؤ و"عدم المبالاة العمدية" من قِبل المنظومة الدولية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية التي تتباكى على القوانين الدولية، لكنها تقف مشلولة وعاجزة عن إجبار الاحتلال الإسرائيلي على الانصياع للقرارات والمواثيق الأممية، بل تكتفي بدور المتفرج على أطول وأبشع مأساة إنسانية في العصر الحديث.
لكن الكارثة الأشد فتكاً بالحاضر والمستقبل هي الإبادة التعليمية والتربوية؛ فنظراً لدوامة النزوح اللامتناهي وإغلاق المدارس لسنوات، برزت عادات وسلوكيات دخيلة وغريبة بين طلبة المدارس والأطفال الذين حُرموا من حقهم الطبيعي في التعليم والتنشئة؛ فقد غابت عنهم التربية السليمة، واختفت الأخلاق الرصينة عن جيل كامل وجد نفسه فجأة بلا فصل دراسي، وبلا معلم، ومشرداً في الشوارع يبحث عن حطام عائلته وسط الركام والرماد. إنها جريمة تجهيل جيل بأكمله، تهدف إلى إفراغ غزة من عقلها وروحها بعد أن عجزوا عن إفراغها من سكانها بالحديد والنار.

بث مباشر