مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

الشاشة كساحة معركة.. كيف تحوّلت مهرجانات السينما إلى ميدان للمقاطعة؟

الرسالة نت - رشا فرحات

لم تعد السجادة الحمراء مجرد ممر للمشاهير، ولا قاعات العرض فضاءات معزولة عن العالم. فمنذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت مهرجانات السينما الدولية نفسها جزءًا من الجدل الأخلاقي العالمي، وتحولت من منصات للاحتفاء بالفن إلى ساحات تتواجه فيها الأسئلة الكبرى: هل يمكن للفن أن يبقى محايدًا أمام المجازر؟ وهل تستطيع المؤسسات الثقافية أن تفصل بين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية؟
في السنوات الماضية، كانت المهرجانات السينمائية تقدم نفسها باعتبارها فضاءات للحوار بين الشعوب، تتجاوز الحدود والسياسة. لكن مع تصاعد أعداد الضحايا في غزة، بدأ هذا التصور يتصدع، ووجدت إدارات المهرجانات نفسها أمام ضغوط متزايدة من مخرجين ومنتجين وكتاب وفنانين يطالبونها بإعادة النظر في استضافة أعمال إسرائيلية أو منحها مساحة في الفعاليات الدولية.
في عام 2024، وقّع أكثر من 300 مخرج وفنان رسالة مفتوحة إلى إدارة مهرجان البندقية السينمائي، طالبوا فيها بسحب فيلمي "عن الكلاب والرجال" للمخرج داني روزنبرغ و*"لماذا الحرب" للمخرج عاموس غيتاي، معتبرين أن عرضهما في ظل الحرب على غزة يساهم في "تبييض الإبادة الجماعية بالفن"، ويمنح صورة ثقافية لدولة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين.
ولم يكن ذلك الموقف حدثًا معزولًا. ففي يوليو/تموز 2026، أعلن اثنا عشر مخرجًا سحب أفلامهم من مهرجان مرسيليا الدولي للفيلم (FID Marseille)، احتجاجًا على دعوة المخرج الإسرائيلي نداف لابيد للمشاركة في لجنة التحكيم. رأى الموقعون أن المشاركة إلى جانب ممثل للمؤسسة الثقافية الإسرائيلية في هذا التوقيت تتناقض مع مسؤولية الفنان الأخلاقية، وأن الانسحاب أصبح شكلًا من أشكال الاحتجاج السلمي.
هذه المواقف أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: هل تمثل المقاطعة الثقافية اعتداءً على حرية الفن، أم أنها أداة ضغط مشروعة عندما تعجز السياسة عن وقف الانتهاكات؟
يستند مؤيدو المقاطعة إلى تجربة تاريخية لا تزال حاضرة في الذاكرة العالمية. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وخلال نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، رفض عدد كبير من الفنانين وصناع السينما التعاون مع المؤسسات الثقافية في ذلك البلد. ووقّع مخرجون بارزون، بينهم مارتن سكورسيزي، وسبايك لي، وجوناثان ديمي، رسالة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1987، دعوا فيها إلى دعم المقاطعة الثقافية والاقتصادية لنظام الأبارتهايد، مؤكدين أن المقاطعة وسحب الاستثمارات كانتا آنذاك من آخر الوسائل السلمية المتاحة لإحداث تغيير سياسي.
لم يُنظر إلى ذلك الموقف حينها باعتباره عداءً للفن، بل اعتُبر امتدادًا لدور المثقف في مواجهة الظلم، وسجلته الذاكرة الثقافية العالمية باعتباره أحد أشكال التضامن مع شعب حُرم من حقوقه.
اليوم، تتكرر الأسئلة نفسها، لكن في سياق مختلف. فالمهرجانات السينمائية لم تعد مطالبة فقط باختيار أفضل الأفلام، بل باتت مطالبة أيضًا بتحديد موقعها الأخلاقي في عالم تتداخل فيه الثقافة مع السياسة والعدالة وحقوق الإنسان.
وبين من يرى أن الفن يجب أن يبقى بمنأى عن الصراعات، ومن يعتقد أن الصمت نفسه أصبح موقفًا سياسيًا، تستمر المقاطعة الثقافية في التوسع، ليس باعتبارها رفضًا للفن، وإنما بوصفها محاولة لاستخدام الثقافة وسيلة للضغط، عندما تبدو أدوات العدالة الدولية عاجزة عن وقف الحرب.
وهكذا، لم تعد المنافسة في المهرجانات تدور حول الجوائز وحدها، بل حول سؤال أكبر: ماذا يعني أن تعرض فيلمًا في زمن الإبادة؟ وهل تستطيع الشاشة أن تدّعي الحياد بينما الواقع خارج قاعات العرض يشتعل؟

بث مباشر