أكد مستشار المكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن أن واقع الفراغ السياسي والإداري في قطاع غزة يمثل مساحة كبيرة من التحديات في جوانب الإدارة السياسية والحياتية للمواطنين في القطاع، خاصة في ظل الحرب الدموية التي شنت على غزة واستهدفت البنية الأساسية البشرية والمادية للمؤسسات الإدارية والحكومية.
وأكد محيسن خلال حوار لـ"الرسالة نت" أن هذه الحرب أحدثت فراغاً كبيراً وأضعفت من قدرة ما تبقى من النظام الإداري على القيام بواجباته وتقديم خدماته على أكمل وجه للمواطنين في قطاع غزة، مشيراً إلى أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على حياة السكان اليومية.
وأوضح أن هذا الواقع يلمس من خلال النقص الحاد في احتياجات المواطنين وفي تنمية واقعهم المعيشي، وكذلك في تسهيل حصولهم على المواد الأساسية والخدمات الضرورية، مبيناً أن البنية التعليمية والصحية تفتقد اليوم إلى أبسط المقومات التي تمكنها من تقديم الخدمة لقطاعات واسعة من السكان.
وأضاف أن قطاع البلديات تعرض لاستهداف مباشر، الأمر الذي جعل الجهات المنظمة للعمل المحلي غير قادرة على تقديم الحد الأدنى من خدماتها، حتى في أبسط صورها، سواء ما يتعلق بتوفير المياه الصالحة للشرب للمواطنين أو تسهيل مسارات الصرف الصحي للسكان الذين باتوا يتكدسون في مخيمات تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة.
وأكد محيسن أن مظاهر الأزمة لا تقتصر على الجوانب الخدمية فقط، بل تمتد إلى السلم المجتمعي، في ظل استهداف الاحتلال الإسرائيلي للبنية الشرطية والقضائية ومؤسسات النيابة، موضحاً أن هذه المؤسسات باتت تفتقد إلى قدرتها على أداء واجبها في الحفاظ على مقدرات الناس وحياتهم.
وقال إن هذا الواقع يفقد الحالة المعيشية أحد أهم عناصرها، وهو الأمن المجتمعي، الذي يشكل ركناً أساسياً في استقرار حياة المواطنين وتنظيم شؤونهم اليومية.
وحول أسباب استمرار حالة الفراغ السياسي والإداري، أكد محيسن أن السبب الرئيسي يتمثل في عدم سماح الاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني برسم معالم مستقبله السياسي، إضافة إلى إصراره على عدم الاستجابة والتجاوب مع ما أنتجه المجتمع الدولي تحت مسمى لجنة إدارة غزة وتمكينها من الدخول والقيام بواجباتها في ترتيب الوضع الإداري وتنظيم الحياة للمواطنين في قطاع غزة.
وأضاف أن هذا هو السبب الرئيس لاستمرار الأزمة حتى هذه اللحظة، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يرغب في إبقاء قطاع غزة في حالة من الفوضى والفاقة والحاجة.
وأكد محيسن أن الهدف من ذلك يتمثل في تحويل قطاع غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة، ومنطقة طاردة لسكانها، على أمل تحقيق هدفه الاستراتيجي المتمثل في ترحيل سكان القطاع ودفعهم إلى الهجرة، سواء كانت هجرة قسرية أو طوعية في المستقبل.
وفيما يتعلق بالموظفين العموميين، قال مستشار المكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن إن هناك مشكلة حقيقية تتمثل في حالة عدم الاستقرار الوظيفي التي باتت تشكل هاجساً كبيراً لدى شريحة واسعة من الموظفين العموميين في قطاع غزة.
وأكد محيسن أن الحديث يدور عن أكثر من 55 ألف موظف، ما يعني وجود أكثر من 55 ألف أسرة تترقب ترتيب أوضاعها الوظيفية والحصول على مستحقاتها المالية، إلى جانب معرفة مستقبلها الوظيفي بعد سنوات طويلة من العمل والخدمة التي قدمها هؤلاء الموظفون لأبناء الشعب الفلسطيني في إطار الخدمة المدنية.
وأوضح أن هؤلاء الموظفين أمضوا سنوات وعقوداً في أداء واجباتهم وتقديم الخدمات للمواطنين، إلا أن بعض الجهات تروج حالياً لفكرة عدم الحاجة إلى بقائهم في مواقعهم الوظيفية، معتبراً أن ذلك يمثل ظلماً كبيراً بحقهم.
وقال إن من حق هؤلاء الموظفين أن يكون لهم موقف متقدم تجاه أي جهة قد تتولى إدارة الحياة الإدارية والنظام الإداري في قطاع غزة، وأن يطالبوا بضمانات واضحة تتعلق بمستقبلهم المهني.
وأكد محيسن أهمية توفير حالة من الأمان الوظيفي والاطمئنان لهؤلاء الموظفين، وضمان حصولهم على مستحقاتهم المالية وتمكينهم من تلبية احتياجات أسرهم ومتطلبات حياتهم اليومية.
وأضاف أن هذه المطالب تأتي في إطار حقوق مشروعة للموظفين الذين قدموا خدماتهم للمواطنين على مدار السنوات الماضية، وأسهموا في استمرارية العمل الإداري والخدمي رغم الظروف والتحديات التي مر بها قطاع غزة.
وقال مستشار المكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن إن استمرار الأوضاع الحالية بهذه الدرجة من الهشاشة في قطاع غزة ينعكس بشكل مباشر على أداء المؤسسات الإدارية وقدرتها على القيام بمهامها المختلفة.
وأكد محيسن أن عدم تماسك المؤسسات الإدارية وعدم قدرتها على توظيف الكفاءات والكادر البشري المتخصص يؤديان إلى إضعاف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، ويحدان من إمكانياتها في إدارة الشأن العام وتقديم الخدمات للمواطنين.
وأوضح أن هذا الواقع قد يفقد المؤسسات إمكانية الحصول على المساعدات أو التنسيق أو الترتيبات اللازمة لتنفيذ المشاريع التي من شأنها دعم القطاعات المختلفة في قطاع غزة وتعزيز قدرتها على الاستمرار.
وأضاف أن غياب التماسك المؤسسي داخل المنظومة الإدارية لا يشجع المؤسسات الدولية على تقديم المساعدات والإغاثات المناسبة لسكان القطاع، في ظل الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني والخدمات الأساسية.
وأكد محيسن أن قطاع غزة يفتقد اليوم، مع كل الأسف، أحد أهم عوامل الصمود والاستقرار، معتبراً أن ذلك ينسجم مع ما وصفه بالهدف الاستراتيجي للاحتلال الإسرائيلي الرامي إلى قطع الشريان الذي طالما زود مؤسسات القطاع بالإمكانيات والموارد التي مكنتها من تطوير خدماتها وتحسين أدائها.
وقال إن هذه الإمكانيات ساهمت على مدار السنوات الماضية في تمكين المؤسسات من التقدم بشكل مستمر في تجويد وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المجالات، بما في ذلك القطاعات الصحية والتعليمية والشرطية وغيرها من القطاعات الحيوية الأخرى.
وأشار إلى أن استمرار حالة الضعف الإداري والمؤسسي من شأنه أن يفاقم التحديات التي تواجه القطاع ويؤثر على قدرة المؤسسات على استعادة دورها في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين خلال المرحلة المقبلة.
وحول السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة، قال مستشار المكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن إن المؤشرات الحالية تدل على أن الأوضاع في قطاع غزة قد تتجه نحو مزيد من التدهور إذا استمر الوضع القائم حتى نهاية العام الجاري دون تدخلات حقيقية تعالج حالة الفراغ الإداري والسياسي.
وأكد محيسن أنه يتوقع ازدياد سوء الأوضاع خلال المرحلة المقبلة، معتبراً أن الاحتلال الإسرائيلي لا يملك، من حيث المبدأ، النية لمنح قطاع غزة مساحة من الاستقرار أو القدرة على استعادة مقومات الحياة الطبيعية.
وأوضح أن هذا التوجه يتضح من خلال الإجراءات والممارسات الميدانية التي ينفذها الاحتلال، إلى جانب تعاطيه مع مطالب ومناشدات المجتمع الدولي، وعدم التزامه بالاستحقاقات المترتبة على الاتفاقات الموقعة، وخاصة ما يتعلق باتفاق التهدئة الأخير.
وقال إن الاحتلال الإسرائيلي يضرب بعرض الحائط مطالبات ومناشدات المجتمع الدولي، ويواصل العمل لتحقيق هدفه المتمثل في إبقاء قطاع غزة وسكانه في حالة من المعاناة الإنسانية القاسية والأوضاع المعيشية المتردية التي تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة.
وأكد محيسن أن الهدف النهائي لهذه السياسات يتمثل في تحويل قطاع غزة إلى منطقة طاردة لسكانها، ودفع المواطنين إلى اختيار الهجرة الطوعية عندما تتوافر الظروف أو الفرص لذلك في المستقبل القريب.
وأضاف أن هذا السيناريو يمثل، من وجهة نظره، أحد أخطر السيناريوهات التي يمكن أن يصل إليها الوضع في القطاع، في ظل استمرار حالة الفاقة والعوز وتفاقم الأزمات الإنسانية.
وحذر من أن غياب نظام إداري سليم وقوي ومتماسك قد يؤدي إلى اتساع دائرة الفوضى داخل المجتمع الغزي، الأمر الذي سينعكس سلباً على حياة المواطنين وقدرة المؤسسات على إدارة شؤونهم اليومية.
وأكد أن وجود منظومة إدارية فاعلة وقادرة على العمل يعد ضرورة أساسية لضبط الأمور وتسهيل حياة الناس وتحقيق الحد المعقول من احتياجاتهم ومتطلباتهم كمجتمع مدني يواجه ظروفاً استثنائية ومعقدة.