لم يكن الحاج محمد سلامة يتخيل أن المنزل الذي شيّده حجراً فوق حجر ليكون بداية حياة جديدة لنجله جبريل، سيتحول إلى عنوان لمرحلة جديدة من التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية؛ مرحلة لا تكتفي بمصادرة الأراضي الزراعية، بل تمتد إلى الاستيلاء على المنازل الفلسطينية نفسها قبل أن يسكنها أصحابها.
في قرية جالود، الواقعة إلى الجنوب الشرقي من مدينة نابلس، يستيقظ السكان كل يوم على مشهد يزداد ضيقاً. فالقرية، التي يقطنها نحو ألف نسمة وتعتمد على الزراعة، تحاصرها سلسلة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي التهمت آلاف الدونمات من أراضيها على مدار العقود، لتصبح واحدة من أكثر قرى جنوب نابلس تعرضاً لهجمات المستوطنين.
هذا الأسبوع، اقتحم مستوطنون، بحماية قوات الاحتلال، منزلاً قيد الإنشاء يعود لجبريل سلامة، ورفعوا العلم الإسرائيلي فوقه، بينما وقف والده محمد عاجزاً عن استعادة البيت الذي بناه لابنه المقبل على الزواج. لم يكن المنزل قد اكتمل بعد، لكنه أصبح، في نظر المستوطنين، جزءاً من مشروعهم للتوسع على حساب الوجود الفلسطيني.
يقول الحاج محمد إن سنوات العمل والادخار انتهت في لحظات، بعدما وجد المستوطنين يتجولون داخل المنزل وعلى سطحه، فيما لم تسفر مناشداته للجيش والشرطة الإسرائيلية عن أي تدخل يوقف الاستيلاء على العقار.
قرية في مواجهة الطوق الاستيطاني
ليست جالود قرية عابرة على خارطة الضفة الغربية، بل تقع في منطقة تشكل هدفاً دائماً للتوسع الاستيطاني، إذ تحيط بها مستوطنات وبؤر استيطانية عدة، ما جعل أراضيها الزراعية وطرقها وحتى منازلها عرضة لاعتداءات متكررة.
ويؤكد رئيس المجلس القروي أن المستوطنين باتوا يقتربون أكثر من أي وقت مضى من التجمع السكني، مشيراً إلى أن المنزل المستولى عليه لا يبعد سوى نحو مئة متر عن آخر منازل القرية، في مؤشر على انتقال الاعتداءات من محيط القرية إلى قلبها. كما يوضح أن جالود شهدت خلال الفترة الأخيرة خمس هجمات كبيرة شملت إحراق منازل ومركبات، وقطع الأشجار، وسرقة الممتلكات، وتخريب الأراضي.
من الأرض إلى البيت
اعتاد أهالي جالود على خسارة أجزاء من أراضيهم الزراعية بفعل التوسع الاستيطاني، لكن الاستيلاء على منزل كامل قبل أن يسكنه أصحابه يمثل، بالنسبة لهم، تحولاً خطيراً في طبيعة الاعتداءات.
فالمنزل الذي أراده جبريل سلامة بدايةً لحياته الأسرية، أصبح رمزاً لمشهد يتكرر في أنحاء الضفة الغربية، حيث لا تتوقف السيطرة على الأرض عند حدود المصادرة، بل تمتد إلى فرض وقائع جديدة على الأرض بقوة المستوطنين وحماية قوات الاحتلال.
ويرى سكان القرية أن ما حدث يشكل حلقة جديدة في سياسة تضييق الخناق على جالود، بهدف دفع سكانها إلى الرحيل تدريجياً، بعدما ضاقت عليهم الأرض التي ورثوها عن آبائهم، وأصبحت المستوطنات تلامس أبواب بيوتهم قبل حقولهم.