على مدار 1000 يوم، لم تكن الحرب على غزة عسكرية فقط وإنما اتخذت بعدا اقتصاديا ممنهجا استهدف مقومات الحياة والإنتاج في محاولة لتجريد المجتمع من قدرته على الصمود.
فالاقتصاد لا ينهار فقط بسبب تراجع الناتج المحلي أو انخفاض الدخل وإنما عندما تدمّر أدوات الإنتاج وتشل الأسواق ويصبح الحصول على الاحتياجات الأساسية تحديا يوميا.
خلال هذه الفترة، دخل اقتصاد غزة في واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية حيث اجتمع الركود مع التضخم في مشهد يعرف اقتصاديا بـ"الركود التضخمي".
فالأسعار واصلت ارتفاعها نتيجة ندرة السلع وتعطل سلاسل الإمداد بينما تراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد مع فقدان مئات آلاف المواطنين مصادر دخلهم وتوقف الأنشطة التجارية والإنتاجية.
وفي ظل هذا الواقع، برزت السوق السوداء كأحد أبرز مظاهر الأزمة نتيجة اختلال العرض والطلب لتزيد من الأعباء المعيشية على السكان.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية حجم الانهيار الذي أصاب المجتمع، فأكثر من 90% من سكان غزة أصبحوا تحت خط الفقر أو يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية فيما تقدر البطالة بنحو 80%، وهو مستوى يعكس شبه توقف لعجلة الاقتصاد ويؤكد أن الأزمة تجاوزت كونها أزمة معيشية إلى انهيار شامل في سوق العمل والإنتاج.
ولم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن هذا الاستهداف رغم أنه يمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي. فقد دمر أكثر من 87% من الأراضي الزراعية ما أدى إلى تراجع الإنتاج السنوي من الخضروات والفواكه من نحو 524 ألف طن إلى 20 ألف طن فقط.
ويعني ذلك فقدان جزء كبير من القدرة المحلية على إنتاج الغذاء وزيادة الاعتماد على المساعدات والاستيراد في حال توفره بما يفاقم هشاشة الأمن الغذائي.
ووفق تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، تقدر الخسائر الاقتصادية المباشرة بنحو 80 مليار دولار، طالت قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والزراعة والتجارة والبنية التحتية، وهي خسائر لا تقتصر على قيمة ما دمرته إسرائيل وإنما تمتد إلى تعطيل فرص الاستثمار والإنتاج والتنمية لسنوات طويلة.
وبعد 1000 يوم، لم تعد الإبادة الاقتصادية مجرد توصيف لحجم الدمار وإنما أصبحت واقعا يعيد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية في غزة ويجعل التعافي أكثر تعقيدا، إذ إن إعادة بناء الاقتصاد لا تعني ترميم المباني والمنشآت فحسب وإنما استعادة الإنسان لقدرته على العمل والإنتاج وإحياء الأسواق وإعادة بناء الثقة في مستقبل اقتصادي قابل للحياة.
مقال: 1000 يوم على الإبادة الاقتصادية
أحمد أبو قمر