مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

مقال: مضيق هرمز يكتب النهاية: كيف خسرت واشنطن وتل أبيب معركة إيران

أيمن تيسير دلول

 

حين قررت الإدارة الأمريكية تحريك بارجاتها وحاملات طائراتها نحو مياه الخليج، كانت عقول جنرالاتها ومخططي السياسة في البيت الأبيض محكومةً بـ "عقدة الغطرسة" ونشوة الانتصارات السهلة القائمة على استعراض القوة، بل واعتقدَ المخطط الأمريكي أن المواجهة مع الجمهورية الإسلامية في إيران لن تعدو كونها نزهةً عسكرية خاطفة، أو ربما استنساخاً لسيناريو فنزويلا؛ حيث يكفي لتركيع الدولة وإسقاطها فرض الحصار، وتجفيف المنابع، والتلويح بالقوة لزعزعة النظام السياسي برمتّه، وصولاً إلى تنصيب بديلٍ يأتمر بأمر السفير الأمريكي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الحسابات الأمريكية سقطت في فخ سوء التقدير الاستراتيجي، واصطدمت بجدار واقع مغاير، ليتدحرج كبرياء واشنطن في رمال المنطقة، مفرزاً معادلة جديدة وصارمة من الرابحين والخاسرين على مستوى العالم والمنطقة.
على رأس قائمة الخاسرين تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تخسر في هذه المواجهة جولة عسكرية عابرة فحسب، بل فقدت المرتكزات التاريخية لنفوذها وهيمنتها في منطقة الشرق الأوسط برمتها والتي أقامتها على مدار عقود؛ فقد تبددت الأوهام الأمريكية سريعاً حين تحولت تلك القواعد العسكرية الضخمة المنتشرة في الخليج العربي —والتي كانت بمثابة نقاط ارتكاز وهجوم متقدمة لحماية مصالحها— إلى مجرد "أهداف ساقطة عسكرياً" ومكشوفة تحت رحمة النيران الصاروخية الدقيقة وسرايا الطائرات المسيّرة، الأمر الذي أفقد واشنطن السيطرة الفلسفية والعملياتية عليها، وأدى إلى فقدان فاعليتها الامتدادية كأداة ضاربة بعيدة عن حدودها الجغرافية.
وكان الأخطر من ذلك كله، هو خسارة أمريكا المطلقة للتحكم الأمني والسياسي في مضيق هرمز؛ الشريان الحيوي الحاكم للاقتصاد العالمي، فلم يعد بمقدور السفن والبوارج الأمريكية المرور "بالمجان" أو فرض شروط الإذعان كما كان سابقاً، بل باتت الحركة هناك خاضعة للإجراءات السيادية الإيرانية الصارمة بلا امتيازات مجانية، الأمر الذي شكّل صفعة مدوية لكبرياء القوة العظمى وحقبة القطب الواحد، وأدى إلى انكسار قوة الردع الأمريكية عالمياً.
أما الخاسر الثاني، والشريك الأكبر في جلب هذه الكارثة الاستراتيجية، فهو الاحتلال الإسرائيلي؛ فقد اندفعت "تل أبيب" بكل ثقلها الدعائي والسياسي لبث التحريض والدفع نحو هذه المواجهة الشاملة، ظناً من قادتها أن هروبهم إلى الأمام سيخفف من وطأة أزماتهم الوجودية، وينهي ما عجز جيشهم المأزوم عن تحقيقه في الجبهة التي لا تزال مفتوحة بقطاع غزة المحاصر والتي تقترب من طي صفحة عامها الثالث.
وجاءت النتيجة الميدانية عكسية وصادمة؛ إذ وجدت "إسرائيل الفاشية" نفسها غارقة في مستنقع استنزافٍ واسع متعدد الجبهات بالتوازي مع غياب التخطيط الاستراتيجي، وامتدت هذه الجبهات من نيران غزة، إلى جبال لبنان وجبهتها الضارية التي أدت لتهجير مستوطني الشمال وشلل قطاعاته الحيوية، وصولاً إلى الضربات المباشرة في العمق الإيراني.
هذا التورط كبّد الاحتلال الإسرائيلي خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة في تاريخه، واستنزف مقدراته العسكرية واقتصاده بفعل الكلفة الباهظة لمنظومات الدفاع والعمليات المستمرة، وأعجز منظوماته الدفاعية عن توفير الأمن لمستوطنيه، لتتحول الحرب التي أرادتها "إسرائيل" لترسيخ وجودها إلى التهديد الأكبر لبقائها والسبب في انهيار أمنها القومي.
وليست "إسرائيل" والولايات المتحدة هما الخاسرين الحصريين من هذه الحرب، بل هناك دول الخليج بنسبٍ تختلف بين عاصمة وأخرى، لكن هذا المقال لن يتسع لتفاصيل الخسارة العربية، وسيكون التفصيل في هذا الخصوص وإمكانية قلب تلك الدول لخسارتها إلى ربح في مقالات لاحقة.
أما على الواجهة الأخرى من المشهد، فيبرز الجانب الإيراني كأكبر الرابحين الاستراتيجيين من هذه المواجهة التاريخية؛ فمن رحم الحصار الاقتصادي الطويل، والتهديدات المستمرة، خرجت إيران كـ "قوة عظمى" حقيقية في المنطقة يحسب لها المجتمع الدولي ألف حساب، ونالت الاعتراف الدولي بها كقوة إقليمية قادرة على صياغة ورسم تفاصيل المشهد الدولي الجديد.
ولم تنجح طهران في هذه المواجهة في حماية نظامها السياسي وتماسكه الجبهوي الداخلي فحسب، بل أثبتت قدرتها الفائقة على إدارة معركة مركبة غيّرت من خلالها قواعد الاشتباك الدولي بالكامل، متسلحة بقوة الردع العسكرية والتصنيعية في مواجهة أعتى القوى، وباتت ركيزة أساسية وعنصراً فاعلاً لا يمكن تجاوزه في رسم أي مشهد سياسي أو أمني على الساحة الدولية.
وخلال هذه المعركة الضارية، فعّلت إيران ورقة مضيق هرمز الاستراتيجية كأداة ضغط اقتصادي وجيوسياسي كبرى في العالم المعاصر، فلم يعد المضيق بالنسبة لطهران مجرد ممر مائي، بل تحول إلى رافعة نفوذ سياسي واقتصادي هائلة تجني من خلالها أرباحاً استراتيجية؛ حيث باتت تتحكم عبره مباشرة بأمن الطاقة العالمي، وهو ما جعل القوى الدولية الكبرى تخطب ودها لضمان استقرار إمدادات النفط والغاز وتجنب انهيار الأسواق العالمية.
وليست إيران الرابح الوحيد في هذه الملحمة، بل إن قوى المقاومة في المنطقة كانت هي الرابح الميداني والسياسي؛ فقد أثبتت بالممارسة العملية نظرية "وحدة وترابط الجبهات" مقدرتها المشتركة على تشتيت جهود الخصم واستنزافه عسكرياً واقتصادياً، وهو ما أدى لتهشيم هيبة الردع الصهيو-أمريكية، وتعزيز الموقف التفاوضي والسياسي للمقاومة في فلسطين ولبنان.
لقد أثبتت خلاصة التحول الاستراتيجي أن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تكن مجرد جولة قتال عابرة، بل كانت بمثابة نقطة تحول تاريخية رسمت بوضوح ملامح النظام الدولي الجديد، معلنةً انتهاء عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة والغطرسة المنفردة، وبداية عهد جديد تصيغ فيه القوى الصاعدة والمنبثقة من خيار الصمود والمواجهة تفاصيل المشهد الدولي بمداد من القوة والسيادة.