في كل مرة يتحدث فيها الأب الفلسطيني بسام جبر عن أبنائه، يخفت صوته قليلًا، لكنه لا ينكسر. أما حين يذكر اسم ابنه عز الدين، فإن الكلمات تتوقف، ويحل محلها وجع لا تستطيع الدموع أن تفسره.
خلال ثمانية عشر يومًا فقط، فقد بسام ثلاثة من أبنائه، وودع عددًا من أحفاده، فيما تحولت ابنتاه إلى أرملتين بعد استشهاد زوجيهما. لم تعد الحرب تترك له وقتًا للحزن على شهيد حتى يفاجأ بآخر، حتى وجد نفسه يقف وحيدًا أمام واقع كان يعج بالحياة، ولم يبق فيه سوى الذكريات.
يقول بصوت مثقل بالقهر: "أبنائي دفنتهم، وعرفت أين يرقدون، لكن عز الدين غائب. لا أرى له قبرًا أمامي. أريده أن يعود بأي شكل من الأشكال، حيًا كان أو ميتًا، حتى لو كان كومة عظام أدفنها بيدي. حرقة قلبي على الغائب أكبر بكثير."
لا يرى بسام في معرفة مصير ابنه نهاية للحزن، لكنه يراها نهاية لانتظار يلتهم قلبه كل يوم. فالفقد، كما يقول، مهما كان موجعًا، يبقى أهون من غياب لا تعرف له نهاية.
كان أبًا لأربعة أبناء، يحيط به الأحفاد، وتكتمل العائلة بابنتين تعيشان مع زوجيهما. أما اليوم، فقد استشهد ثلاثة من أبنائه، بينما لا يزال ابنه الرابع عز الدين في عداد المفقودين، كما استشهد عدد من أحفاده، واستشهد زوجا ابنتيه، لتصبحا أرملتين تواجهان الحياة بفقد مضاعف. وبين كل هذه الخسارات، يحمل بسام أثقل ما يمكن أن يحمله أب؛ أن يدفن ثلاثة من أبنائه بيديه، ثم يبقى عاجزًا عن دفن ابنه الرابع لأنه لا يعرف أين هو.
بعينين ذابلتين من السهر والبكاء، يتحدث بسام عن عز الدين وكأنه لا يزال يسمعه يناديه. لا يطلب المستحيل، ولا يتشبث بأمل غير واقعي، بل يريد فقط أن يعرف الحقيقة، أيًّا كانت.
ليست مأساة بسام جبر وحدها، بل هي وجه من وجوه جرحٍ مفتوح تعيشه آلاف الأسر الفلسطينية التي أنهكتها الحرب. فإلى جانب عشرات آلاف الشهداء، لا يزال نحو 11,200 فلسطيني في عداد المفقودين، بينهم أكثر من 4,700 طفل وامرأة، وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة في يونيو/حزيران 2026، بينما تشير مؤسسات حقوقية إلى أن كثيرًا منهم ما زالوا تحت الأنقاض أو مجهولي المصير.
وبين هذه الأرقام يقف بسام جبر، أبٌ دفن ثلاثة من أبنائه بيديه، لكنه لا يزال ينتظر ابنه الرابع عز الدين. فبالنسبة له، لا تنتهي المأساة عند الموت، بل تبدأ مع الغياب؛ غيابٌ يترك القلب معلقًا بين الأمل واليأس، ويجعل انتظار خبرٍ أو قبرٍ أكثر قسوة من الفقد نفسه.
بسام جبر.. أبٌ أنهكته الجنائز ولا يزال ينتظر ابنه الغائب
الرسالة نت - خاص