حين يقاس أثر الحروب بعدد الضحايا وحجم الدمار، يغيب أحيانا الوجه الأكثر استمرارا وخطورة وهو التدمير الاقتصادي. ففي قطاع غزة، امتدت حرب الإبادة إلى تفكيك مقومات الحياة الاقتصادية بصورة ممنهجة، بما جعل القدرة على البقاء نفسها رهينة للمال والغذاء والسيولة.
ولم يكن إغلاق المعابر ومنع تدفق البضائع مجرد إجراء أمني وإنما أداة أحدثت صدمة عنيفة في جانبي العرض والطلب. فمع اختفاء السلع الأساسية من الأسواق قفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة ووصلت بعض الزيادات إلى آلاف في المئة، بينما اضطر المواطن إلى الشراء مهما بلغ الثمن لأن البديل كان الجوع، وعندما يفقد المستهلك حرية الاختيار تتحول السوق من فضاء اقتصادي إلى ساحة للبقاء.
في الوقت نفسه، عمقت أزمة السيولة النقدية معاناة السكان، فوجود الأموال داخل الحسابات المصرفية لم يعد يعني القدرة على استخدامها الأمر الذي أوجد اقتصادا موازيا لعمليات "التكييش" التي استنزفت مدخرات آلاف الأسر عبر عمولات مرتفعة.
ولم تكن هذه الظاهرة مجرد خلل مالي وإنما انعكاسا لانهيار وظيفة النظام المصرفي في توفير النقد وتيسير المعاملات.
ولم يتوقف الأمر عند خسارة المدخرات وإنما امتد إلى تدمير رأس المال الإنتاجي، فقد خسر آلاف التجار مصانعهم ومستودعاتهم ومحالهم التجارية، بينما تجاوزت البطالة مستويات غير مسبوقة نتيجة توقف معظم الأنشطة الاقتصادية.
وعندما يفقد الاقتصاد قدرته على الإنتاج والعمل يصبح الاعتماد على المساعدات الإنسانية بديلا اضطراريا عن النشاط الاقتصادي الطبيعي، وهو ما يرسخ الفقر بدلا من معالجته.
الأخطر أن آثار هذه السياسات لا تنتهي بمجرد وقف العمليات العسكرية، فالاقتصادات المنهكة تحتاج إلى سنوات لاستعادة الثقة وإعادة بناء الأسواق، في حين أن استمرار القيود على المعابر وتعثر الإعمار يطيل أمد الركود ويؤخر عودة الاستثمار والإنتاج.
كما أن تآكل المدخرات وانخفاض القوة الشرائية يقلصان قدرة الأسر على تحريك الأسواق حتى في حال توفر السلع.
لذلك، فإن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تختزل في بناء المنازل والطرق وإنما يجب أن تبدأ بإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد وضمان تدفق السلع والسيولة واستعادة فرص العمل وتمكين القطاع الخاص من النهوض مجددا.
فالحرب الاقتصادية، وإن كانت أقل صخبا من القصف تترك ندوبا أعمق وأطول عمرا لأنها تستهدف قدرة المجتمع على التعافي والاعتماد على نفسه.
مقال: الحرب الاقتصادية.. الوجه الآخر لاستهداف غزة
أحمد أبو قمر مختص في الشأن الإقتصادي