رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لم تتوقف آلة الحرب (الإسرائيلية) عن حصد أرواح الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث تواصل قوات الاحتلال تنفيذ عمليات قتل واستهداف يومية للمدنيين والنازحين في مختلف مناطق القطاع، بالتزامن مع استمرار الحصار والتجويع وتدمير البنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية. وتكشف المعطيات الميدانية والحقوقية أن الاتفاق لم ينجح في توفير الحماية للسكان المدنيين، الذين ما زالوا يواجهون القصف وإطلاق النار والتهجير القسري في مناطق النزوح المكتظة، وسط تحذيرات منظمات حقوقية وأممية من تفاقم الكارثة الإنسانية واستمرار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
خروقات مستمرة
فمنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتواصل الخروقات الإسرائيلية بصورة يومية، ما يثير تساؤلات متزايدة حول جدية الالتزام ببنود الاتفاق وقدرته على توفير الحماية للمدنيين الذين أنهكتهم الحرب والحصار.
وتشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى استشهاد 1,031 فلسطينياً وإصابة 3,309 آخرين منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ، في مؤشر يعكس استمرار العمليات العسكرية (الإسرائيلية).
وفي هذا السياق، أكد المحامي راجي الصوراني، مدير عام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل ارتكاب جرائم القتل بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة من خلال استهداف متكرر للمدنيين والنازحين الذين يتكدسون في مساحة لا تتجاوز 30% من إجمالي مساحة القطاع، بالتزامن مع استمرار التدهور الإنساني إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة الحصار الشامل والتجويع والتدمير المنهجي لمقومات الحياة.
ويرى الصوراني أن ما يجري يأتي في إطار سياسة (إسرائيلية) ممنهجة تستهدف السكان المدنيين وتدفع نحو تعميق الظروف المعيشية الكارثية، بما يهدد بقاء السكان ويجعل الحياة الإنسانية في القطاع شبه مستحيلة.
ويشير إلى أن استمرار القتل واسع النطاق والتدمير الممنهج في المناطق المكتظة بالنازحين يكشف عن سياسة منظمة تستهدف تقويض مقومات الحياة الفلسطينية في غزة.
ويؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن استهداف المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء والنازحون والعاملون في القطاع الصحي، بالتزامن مع الحصار والتجويع والتدمير الواسع النطاق، يمثل جزءاً من الأفعال التي تشكل، وفق توصيفه، جريمة إبادة جماعية متواصلة بحق سكان القطاع، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لوقف الانتهاكات وضمان حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها.
**تدهور إنساني
وتبرز منطقة المواصي مثالاً واضحاً على هذه الخروقات، إذ تحولت المنطقة التي دفعت قوات الاحتلال مئات الآلاف من الفلسطينيين للنزوح إليها خلال الحرب إلى ساحة متكررة للغارات الجوية والاستهدافات اليومية، رغم تصنيفها سابقاً كمناطق يفترض أن تكون آمنة للمدنيين.
من جهتها، حذرت الأمم المتحدة من أن الواقع الإنساني في غزة ما زال يزداد تدهوراً رغم تراجع حدة العمليات العسكرية مقارنة بفترات سابقة. وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، إن غزة لا تزال صامدة بفضل حلول إنسانية مؤقتة وصمود السكان الفلسطينيين، إلا أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلاً في ظل استمرار حرمان السكان من أبسط مقومات الحياة.
وأضاف فليتشر أن الفلسطينيين ما زالوا يفتقرون إلى الأمن والمأوى والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم، مشيراً إلى أن المدنيين يتعرضون بشكل شبه يومي للقتل والإصابة نتيجة الغارات الجوية والقصف وإطلاق النار، فضلاً عن القيود المتواصلة على الحركة وتقليص المساحات المتاحة للنزوح والإيواء عبر المناطق المحددة بخطوط عسكرية متغيرة باستمرار.
ويرى مراقبون أن استمرار سقوط الضحايا بعد أشهر من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يعكس هشاشة الاتفاق وغياب آليات دولية فعالة لضمان احترامه، في وقت تتواصل فيه معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت وطأة الحصار والدمار ونقص الخدمات الأساسية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذه الخروقات إلى تقويض أي فرص حقيقية لتحقيق الاستقرار أو تخفيف الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة.