قائمة الموقع

لماذا أخفقت دعوات "حراك 26 يونيو" في غزة؟

2026-06-27T20:15:00+03:00
الرسالة نت - خاص

منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، تعيش الساحة الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وقسوة، حيث تتداخل الأزمات الإنسانية والمعيشية مع التحديات السياسية والأمنية الناتجة عن حرب الإبادة المستمرة. وفي ظل هذا الواقع، برزت دعوات لما سُمي بـ"حراك 26 يونيو" الذي راهن مروجوه على تحويل حالة المعاناة الشعبية إلى احتجاجات واسعة داخل القطاع، إلا أن تلك الدعوات انتهت إلى فشل واضح ولم تتمكن من تحقيق الزخم الذي سعت إليه.
ويثير هذا الفشل تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي دفعت غالبية سكان غزة إلى عدم التجاوب مع الدعوات، رغم حجم المعاناة غير المسبوق الذي يعيشونه، وما إذا كان الأمر مرتبطاً بطبيعة الحراك نفسه أم بوعي المجتمع الغزي لطبيعة المرحلة وتحدياتها.
الاحتلال في الصدارة 
يرى مراقبون أن أحد أبرز أسباب فشل الحراك يتمثل في إدراك غالبية سكان قطاع غزة أن الاحتلال الإسرائيلي ما يزال العامل الرئيسي المسؤول عن الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها القطاع. فبعد أكثر من ألف يوم من الحرب والتدمير والحصار، يصعب إقناع الجمهور بأن جوهر الأزمة يكمن في طرف آخر غير القوة التي دمرت المدن والبنية التحتية ومنعت إدخال المساعدات وأعاقت جهود إعادة الإعمار.
وهو ما توافق معه الكاتب والناشط أحمد أبو رتيمة حيث رأى أن فشل الدعوات يعود إلى أنها اختارت "العنوان الخاطئ للغضب"، من خلال اختزال أزمة غزة المركبة في طرف داخلي واحد، متجاهلة أن الاحتلال ما يزال الفاعل الرئيس في صناعة المأساة المستمرة.
وأشار أبو رتيمة إلى أن المواطنين، بمن فيهم المنتقدون لبعض السياسات الداخلية، يدركون أن تدمير القطاع ومنع الإغاثة وإعاقة الإعمار هي سياسات مرتبطة بالاحتلال في المقام الأول، وهو ما جعل الدعوات عاجزة عن إقناع الشارع أو استقطاب تأييده.
أسباب الفشل
ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن فشل هذه الدعوات لم يكن مفاجئاً، بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل السياسية والمجتمعية والأمنية التي جعلت غالبية سكان القطاع تتعامل معها بحذر وريبة، رغم حجم المعاناة اليومية التي يعيشونها.
ويؤكد أبو قمر أن أول أسباب الإخفاق يتمثل في تبني الاحتلال الإسرائيلي لهذه الدعوات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما جعل الاستجابة لها محل شك لدى الجمهور الفلسطيني.
ويشير إلى أن أي حراك يحظى بدعم أو ترويج من الاحتلال يفقد تلقائياً جزءاً كبيراً من مصداقيته لدى الشارع الفلسطيني، الذي ينظر إلى إسرائيل باعتبارها المسؤول الأول عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
وبحسب أبو قمر، فإن محاولات الاحتلال وعصاباته زعزعة الأمن والاستقرار داخل غزة خلال الفترة الماضية دفعت المواطنين إلى التمسك أكثر بالحفاظ على السلم الأهلي، بدلاً من الانخراط في تحركات قد تؤدي إلى مزيد من الفوضى.
ويضيف أن السكان الذين يعيشون ظروفاً استثنائية باتوا أكثر حساسية تجاه أي دعوات يمكن أن تفتح الباب أمام اضطرابات داخلية أو صدامات مجتمعية، خصوصاً في ظل هشاشة الواقع الأمني والإنساني.
وعي شعبي بمصدر الأزمة
ويرى أبو قمر أن سكان قطاع غزة يدركون بصورة واضحة أن الاحتلال هو المسؤول الرئيسي عن معاناتهم اليومية، سواء من خلال الحرب المستمرة أو الحصار أو تعطيل دخول المساعدات والجهود الرامية إلى تحسين الواقع الخدمي.
ويشير إلى أن هذا الإدراك الشعبي جعل من الصعب تمرير خطاب يحاول نقل مركز الغضب الشعبي بعيداً عن الطرف الذي تسبب فعلياً في الدمار والمعاناة.
وفي ظل الظروف المعيشية القاسية، يلفت أبو قمر إلى أن المواطنين منشغلون بقضايا أكثر إلحاحاً من الاستجابة لدعوات التظاهر، فالحصول على الماء والغذاء وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة أصبح الهم اليومي للأسر الفلسطينية.
ويقول إن سكان الخيام الذين يواجهون الجوع والأمراض وحتى انتشار القوارض والحشرات حول أماكن إقامتهم المؤقتة، ينظرون إلى هذه التحديات باعتبارها أولويات تتقدم على الاستماع إلى دعوات وخطابات سياسية تأتي من خارج واقعهم اليومي.
فقدان الثقة بمروجي الحراك
ومن الأسباب التي ساهمت في ضعف التجاوب مع الدعوات، بحسب أبو قمر، أن الأشخاص الذين تصدروا الدعوة إلى التظاهر هم أنفسهم الذين روجوا لتحركات مشابهة في مراحل سابقة وانتهت إلى الفشل.
وقد أدى تكرار هذه المحاولات إلى ربط أسمائهم لدى قطاعات واسعة من الجمهور بأجندات خارجية أو أهداف غير وطنية، ما أفقدهم القدرة على التأثير أو الحشد الجماهيري.
مؤشرات عززت الشكوك
كما يشير أبو قمر إلى أن تزامن الدعوات مع تحركات مجموعات وعصابات خارجة عن القانون باتجاه ما وصفه بـ"الخط الأصفر" عزز قناعة كثيرين بأن هناك أهدافاً خفية تتجاوز المطالب المعيشية المعلنة، وتتعلق بمحاولة خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار داخل القطاع.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما أكده عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين محمد الغول، الذي وصف ما يسمى "حراك 26 يونيو" بأنه "ولد ميتاً" بسبب فشل مروجيه ووعي الشعب الفلسطيني بحساسية المرحلة.
وأشار الغول إلى أن التناقض الرئيسي في ظل العدوان وحرب الإبادة يبقى مع الاحتلال، معتبراً أن تضخيم مثل هذه الدعوات يمنحها حجماً أكبر من حجمها الحقيقي.
كما أن حالة خيبة الأمل التي أبدتها أوساط (إسرائيلية) عقب فشل الحراك اعتُبرت مؤشراً إضافياً على طبيعة الرهانات التي كانت معلقة عليه، بعدما عجز عن إحداث اختراق في الموقف الشعبي داخل غزة.
ومن الواضح إلى أن أبناء قطاع غزة يتبنون بالفعل مطالب تحسين ظروفهم المعيشية والخدماتية، لكنهم ينتظرون من يساعدهم على تحقيق هذه المطالب وإنهاء أسباب معاناتهم الحقيقية، لا من يسعى إلى استغلال آلامهم لتحقيق أهداف لا تنسجم مع مصالحهم الوطنية.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00