بعد نحو ألف يوم من الحرب المتواصلة على قطاع غزة، لم يعد استهداف الأطفال مجرد أثر جانبي للحرب الإسرائيلية، بل بات – وفق لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة – نمطًا ممنهجًا يرقى إلى جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
وتشير أحدث البيانات التي استند إليها التقرير والتحديثات الأممية اللاحقة إلى أن أكثر من 21 ألف طفل فلسطيني استشهدوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما أصيب عشرات الآلاف، في واحدة من أكبر الكوارث التي يتعرض لها الأطفال في تاريخ الحروب الحديثة.
أما الفترة التي غطاها التحقيق الأممي بشكل مباشر، والممتدة من 7 أكتوبر 2023 حتى 7 أكتوبر 2025، فقد وثقت استشهاد 20,179 طفلًا، بما يمثل نحو 30% من إجمالي الضحايا خلال تلك الفترة.
وفي تقريرها الجديد، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها شرقي القدس المحتلة و"إسرائيل"، إلى وجود أدلة تثبت أن القوات الإسرائيلية تعمدت استهداف الأطفال الفلسطينيين، معتبرة أن هذا السلوك يشكل عنصرًا رئيسيًا في إثبات وجود نية لتدمير جزء من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهو ما يندرج – بحسب اللجنة – ضمن الأفعال التي يحظرها اتفاق منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
وأكد التقرير أن الأطفال لم يسقطوا فقط نتيجة القصف واسع النطاق، بل وثق حالات إطلاق نار مباشر بواسطة القناصة والطائرات المسيّرة، إلى جانب استخدام ذخائر شديدة التدمير في مناطق سكنية مكتظة رغم الارتفاع المستمر في أعداد الضحايا الأطفال، وهو ما اعتبرته اللجنة مؤشرًا على أن هذه النتائج لم تكن عرضية أو غير متوقعة، بل جاءت في سياق عمليات عسكرية استمرت رغم المعرفة المسبقة بحجم الخسائر البشرية بين المدنيين.
ولم يقتصر التقرير على عمليات القتل المباشر، بل رسم صورة شاملة لما وصفه بالاستهداف المنهجي لمقومات حياة الأطفال. فقد وثق تدمير المدارس والمستشفيات ودور الأيتام، واستهداف البنية الصحية، وتعطيل خدمات التطعيم والعلاج، فضلًا عن آثار الحصار ومنع دخول الغذاء والدواء، وهي ظروف قال إنها أدت إلى سوء تغذية واسع النطاق، وارتفاع معدلات الوفيات التي كان يمكن تجنبها، وانتشار الصدمات النفسية بين الأطفال الذين يعيش معظمهم تحت وطأة النزوح والخوف المستمر.
كما أشار التقرير إلى أن الحرب خلفت أزمة إنسانية غير مسبوقة على مستوى الأسرة الفلسطينية، إذ فقد عشرات الآلاف من الأطفال أحد والديهم أو كليهما، بينما حُرم مئات الآلاف من التعليم والرعاية الصحية والحياة الطبيعية، لتتحول الطفولة في غزة إلى رحلة يومية من البحث عن الغذاء والمأوى والأمان. وخلال المؤتمر الصحفي المصاحب لإطلاق التقرير، قالت اللجنة إن أكثر من 58 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الفترة التي شملها التحقيق، إضافة إلى إصابة أكثر من 44 ألف طفل بجروح مختلفة.
وفي الضفة الغربية، بما فيها شرقي القدس، وثقت اللجنة تصاعدًا في الانتهاكات بحق الأطفال الفلسطينيين، شملت الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والتعذيب والعنف الجنسي والإهانات أثناء الاحتجاز، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل بدورها جرائم حرب، وأن بعضها قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
ورغم رفض "إسرائيل" نتائج التقرير ووصفها بأنها "منحازة" و"تتجاهل سياق الحرب"، فإن اللجنة شددت على أن ما توصلت إليه استند إلى تحقيقات موسعة وشهادات مباشرة وصور أقمار صناعية وأدلة رقمية ومراجعة آلاف الوثائق والمواد المصورة، مؤكدة أن استهداف الأطفال لم يكن أحداثًا معزولة، وإنما نمطًا متكررًا امتد طوال أشهر الحرب وحتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويضع التقرير المجتمع الدولي أمام اختبار جديد بشأن مدى قدرته على حماية الأطفال أثناء الحروب، في ظل استمرار سقوط الضحايا وتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة. وبينما تجاوز عدد الأطفال الشهداء حاجز 21 ألف طفل خلال ما يقارب ألف يوم من الحرب، تؤكد لجنة التحقيق الأممية أن استهداف هذه الفئة لم يكن مجرد نتيجة للحرب، بل يمثل – وفق تقييمها القانوني – أحد أبرز الأدلة على ارتكاب أخطر الجرائم التي يعرفها القانون الدولي.