لم يكن الصحفي الفلسطيني مجاهد بني مفلح يعتقد أن لحظة الحرية ستكون بداية معركة جديدة من أجل البقاء. خرج من سجون الاحتلال بعد أشهر طويلة من الاعتقال، لكنه لم يخرج منها معافى؛ خرج مثقلًا بجسد فقد عشرات الكيلوغرامات من وزنه، وأعصاب أنهكها التعذيب، وضغط دم لم يعرفه قبل الاعتقال، قبل أن يسقط بعد أيام قليلة مصابًا بنزيف دماغي كاد يودي بحياته.
بعد رحلة علاج امتدت نحو ستة أشهر، عاد بني مفلح ليتحدث للمرة الأولى عن تجربته، مؤكدًا أن السجن لم يكن مجرد حرمان من الحرية، بل منظومة متكاملة من التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، تركت آثارها في جسده حتى بعد الإفراج عنه.
اعتُقل بني مفلح في حزيران/يونيو 2025، وحُوّل لاحقًا إلى الاعتقال الإداري الذي جُدد أكثر من مرة، قبل الإفراج عنه في كانون الثاني/يناير 2026. وبين لحظة الاعتقال ولحظة الحرية، يقول إن حياته انقلبت رأسًا على عقب.
يروي أن الأشهر الأولى كانت الأقسى، حيث تعرض للضرب المتكرر والتنكيل، فيما تراجعت حالته الصحية بصورة متسارعة. كان يعاني من السكري قبل الاعتقال، لكن ظروف الاحتجاز، وحرمانه من الرعاية الطبية المناسبة، وسوء التغذية، زادت من معاناته، بينما لم يكن يعاني من ارتفاع ضغط الدم قبل دخوله السجن.
ويصف واقع الأسرى بعد السابع من أكتوبر بأنه مختلف تمامًا عما عرفته السجون سابقًا؛ إذ تحولت الزنازين إلى أماكن للعقاب الجماعي. الطعام بالكاد يكفي للبقاء على قيد الحياة، والزيارات مُنعت، والعزل الانفرادي توسع، والضرب أصبح ممارسة يومية، فيما انتشرت الأمراض الجلدية والمعدية بسبب انعدام النظافة، وقلّة الاستحمام، ومنع إدخال الملابس والأغطية المناسبة، إلى جانب الحرمان من العلاج.
ويؤكد أن الأسرى كانوا يعيشون تحت ضغط نفسي هائل، مع استمرار الاقتحامات الليلية، وعمليات التفتيش العنيفة، واستخدام وحدات القمع والكلاب البوليسية، الأمر الذي جعل الخوف رفيقًا دائمًا داخل الأقسام.
ومن أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته، ما رواه عن استشهاد الأسير أحمد طزازعة، الذي قال إنه أصيب خلال اقتحام للقسم، ثم تُرك يعاني من جرح ملتهب دون علاج حتى تدهورت حالته بصورة خطيرة، قبل أن يفقد وعيه ويفارق الحياة، في مشهد ترك أثرًا نفسيًا بالغًا لدى الأسرى الذين شاهدوا تفاصيله.
لكن المعاناة لم تنتهِ عند باب السجن.
بعد يومين فقط من الإفراج عنه، بدأت تظهر عليه أعراض خطيرة؛ ضعف شديد، وعدم قدرة على الحركة بصورة طبيعية، وإرهاق غير مسبوق، ثم فقد وعيه نتيجة نزيف دماغي استدعى نقله بصورة عاجلة إلى المستشفى، حيث خضع لعملية جراحية دقيقة لإنقاذ حياته.
ورجحت الطواقم الطبية، وفق ما أعلنته عائلته، أن الارتفاع الحاد في ضغط الدم، الناتج عن ظروف الاعتقال وما تعرض له داخل السجن، كان سببًا رئيسيًا في حدوث النزيف، في حين حمل نادي الأسير الفلسطيني سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حالته الصحية، معتبرًا ما جرى نتيجة مباشرة لسياسات التعذيب والإهمال الطبي والتجويع.
واليوم، وبعد أشهر من العلاج، يقول بني مفلح إن الجراحة أنقذت حياته، لكنها لم تمحُ آثار الأسر. فما زال يخضع للمتابعة الطبية، ويحمل في ذاكرته تفاصيل الأيام التي قضاها داخل الزنازين، مؤكدًا أن آلاف الأسرى ما زالوا يواجهون الظروف ذاتها بعيدًا عن عدسات الكاميرات.
من زنزانة التعذيب إلى سرير الجراحة .. مجاهد بني مفلح يكشف ما فعلته به السجون
الرسالة نت - خاص