مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

استقالة ستارمر.. إخفاقات داخلية وضغوط غزة تعمّق أزمة الثقة بحزب العمال

استقالة ستارمر.. إخفاقات داخلية وضغوط غزة تعمّق أزمة الثقة بحزب العمال
استقالة ستارمر.. إخفاقات داخلية وضغوط غزة تعمّق أزمة الثقة بحزب العمال

الرسالة نت - نور الدين جبر

 

لم تأتِ استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من رئاسة الحكومة بمعزل عن حالة التراجع السياسي التي يعيشها حزب العمال، ولا عن التحولات العميقة التي تشهدها الساحة البريطانية منذ سنوات. 

فبين أزمات اقتصادية متراكمة، وتراجع الخدمات العامة، وتصاعد نفوذ اليمين المتطرف، برزت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة كأحد العوامل التي عمّقت فجوة الثقة بين الحزب وقواعده التقليدية، وأسهمت في تسريع التصدعات داخل المشهد السياسي البريطاني.

ويرى الباحث في الشؤون الأوروبية حسام شاكر، أن الحديث عن استقالة ستارمر لا يمكن اختزاله في الموقف من غزة وحده، رغم أهمية هذا الملف وتأثيره الواضح على المزاج السياسي والانتخابي في بريطانيا. 

ويوضح شاكر لـ "الرسالة نت" أن أزمة الثقة بين حزب العمال وقطاعات واسعة من مؤيديه بدأت قبل وصول ستارمر إلى السلطة، بل سبقت حتى فوز الحزب في الانتخابات، حيث كان جزء من القاعدة التقليدية للحزب يشعر بخيبة أمل متزايدة من مساره السياسي وخطابه المتغير.

ويشير شاكر إلى أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة ضمنياً في هذه الأزمة، إذ دفعت مواقف قيادة الحزب تجاه الحرب على غزة عدداً من الناخبين إلى الابتعاد عن العمال والتوجه نحو قوى سياسية أخرى، من بينها حزب الخضر ومبادرات سياسية مستقلة، إلا أن ذلك جاء ضمن سياق أوسع من التململ الشعبي تجاه الأداء العام للحزب.

وبحسب شاكر، فإن استقالة ستارمر تمثل حلقة جديدة في أزمة سياسية مزمنة تعيشها بريطانيا منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، حيث تعاقبت الحكومات على مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، شملت ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات العامة، وأزمات الموازنة والديون، إلى جانب تصاعد حالة الاستقطاب السياسي داخل المجتمع البريطاني.

ويعتبر شاكر أن ستارمر تبنى نهجاً سياسياً أقرب إلى الوسط المحافظ، الأمر الذي أضعف الخطاب العمالي التقليدي وأفقد الحزب كثيراً من خصوصيته السياسية. كما أن تعاطيه مع عدد من الملفات الداخلية، إضافة إلى موقفه من الحرب على غزة، ساهم في تعميق حالة النفور داخل القواعد الشعبية.

غزة وتآكل الشعبية

ورغم أن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية كانت حاضرة بقوة في تراجع شعبية الحكومة، فإن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة شكّلت نقطة خلاف رئيسية بين قيادة الحزب وقاعدته الشعبية، خاصة في المدن الكبرى والأوساط الشبابية والنقابية.

ويلفت شاكر إلى أن كثيراً من أنصار العمال اعتبروا مواقف الحزب تجاه الحرب والإبادة الجماعية في غزة أقل بكثير من سقف التوقعات الأخلاقية والسياسية، ما دفع بعضهم إلى الامتناع عن التصويت للحزب أو منح أصواتهم لقوى سياسية أخرى أكثر وضوحاً في دعم الحقوق الفلسطينية.

ويرى شاكر أن المرحلة المقبلة ستضع القيادة الجديدة لحزب العمال أمام اختبار تاريخي صعب، يتمثل في قدرتها على استعادة ثقة الشارع البريطاني وإعادة بناء الهوية السياسية للحزب.

ويشير إلى أن نجاح أي قيادة جديدة سيتوقف على مدى قدرتها على معالجة الأخطاء التي ارتكبت خلال المرحلة السابقة، والعودة إلى برنامج سياسي ينسجم مع القيم التقليدية للحزب ويستجيب لمطالب قواعده الشعبية.

كما يلفت إلى أن الموقف من القضية الفلسطينية سيكون أحد العوامل المؤثرة في هذا المسار، موضحاً أن تبني سياسة أكثر وضوحاً تجاه الانتهاكات الإسرائيلية في غزة، والالتزام بالمبادئ الإنسانية والقانون الدولي، قد يسهم في تعزيز شعبية الحزب واستعادة جزء من رصيده المفقود لدى الناخبين.

في المقابل، يحذر من أن استمرار السياسات السابقة أو اللجوء إلى مواقف ضبابية ومراوغة قد يؤدي إلى مزيد من التراجع، خاصة في ظل تنامي المنافسة السياسية وتصاعد حضور القوى البديلة.

صعود اليمين 

ويؤكد شاكر أن التحدي الأكبر أمام الحكومة المقبلة لا يقتصر على إعادة ترميم حزب العمال، بل يمتد إلى مواجهة المد اليميني المتطرف الذي يحقق مكاسب متزايدة في الشارع البريطاني مستفيداً من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ومن حالة الإحباط الشعبي.

ويوضح أن بريطانيا تواجه اليوم أزمات معقدة تشمل الدين العام، وعجز الموازنة، وتراجع مستويات المعيشة، فضلاً عن التوترات الاجتماعية المرتبطة بملفات الهجرة والهوية الوطنية. وفي ظل هذه الظروف، تجد الأحزاب التقليدية نفسها أمام ضغوط غير مسبوقة.

بث مباشر