لم يحمل صابر عودة الأميطل حقيبة سفر، ولا ودّع أهله على أمل غياب طويل. خرج من منزله في النقب كما يخرج أي إنسان إلى يومه المعتاد، لكن قوات الاحتلال اعتقلته في الرابع من حزيران/يونيو. ومنذ تلك اللحظة، انقطعت أخباره عن عائلته، وحُرم من لقاء محاميه، ولم يبقَ لهم سوى الانتظار والأسئلة.
سبعة عشر يومًا فقط كانت كافية لأن يتحول الاعتقال إلى شهادة.
في الحادي والعشرين من حزيران/يونيو، تلقّت عائلته الخبر الذي كانت تخشاه؛ صابر استشهد داخل أحد سجون الاحتلال. لم يكن يعاني من أي مرض قبل اعتقاله، كما تؤكد أسرته، لذلك بدا إعلان وفاته صادمًا، لا سيما مع ما قيل عن وجود آثار كدمات وإصابات على جسده، الأمر الذي عزز الشكوك حول تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة خلال فترة احتجازه.
لم يكن صابر أول من يدخل السجن حيًا ويخرج منه جثمانًا. فمنذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تصاعدت التقارير الحقوقية التي توثق شهادات عن الضرب المبرح، والتجويع، والإهمال الطبي، والعزل، وحرمان الأسرى من أبسط حقوقهم الإنسانية. ويقول حقوقيون إن هذه الممارسات أصبحت نمطًا متكررًا داخل منظومة الاعتقال.
وباستشهاد صابر، ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة المعلومة هوياتهم منذ السابع من أكتوبر إلى واحد وتسعين شهيدًا، في رقم يعكس حجم الكارثة التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون خلف القضبان، بينما لا تزال عشرات العائلات تنتظر أخبار أبنائها وسط قيود مشددة على الزيارات والتواصل.
لم يكن لصابر الوقت ليحكي ما جرى له داخل الزنازين. رحل قبل أن يروي تفاصيل الأيام السبعة عشر الأخيرة من حياته، لكن جسده، كما تقول عائلته، حمل ما يكفي من الأسئلة. أسئلة لا تتعلق بمصير رجل واحد، بل بواقع آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون خلف الجدران، حيث تتحول الأيام إلى معركة يومية من أجل البقاء.
وهكذا، انتهت رحلة صابر الأميطل من باب الاعتقال إلى باب الشهادة، بينما بقيت قصته شاهدًا جديدًا على الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، وعلى الحاجة إلى تحقيق دولي مستقل يكشف ملابسات وفاته ويضمن محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تعرض لها.
ويتعرض الفلسطينيون في النقب لسياسات متصاعدة تستهدف وجودهم على أرضهم، تشمل هدم المنازل، والتهجير القسري، والاعتقالات، والقتل. فمنذ عام 2023، هدمت سلطات الاحتلال أكثر من 14 ألف منشأة، بينها آلاف المنازل، وهو أعلى معدل هدم يُسجل في النقب، كما هُدم أكثر من 4 آلاف منزل ومنشأة خلال عام 2024 وحده. وترافق ذلك مع حملات اعتقال واسعة طالت عشرات النشطاء والشبان، إلى جانب مقتل عدد من أبناء النقب برصاص الشرطة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. كما يعيش نحو 100 ألف فلسطيني في 35 قرية غير معترف بها، محرومين من الخدمات الأساسية، ويواجهون خطر الهدم والاقتلاع المستمر.