لم يعد نقص الزيوت ومواد التشحيم في قطاع غزة أزمة تشغيلية عابرة، بل تحول إلى تهديد مباشر لاستمرار الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، في وقت تواجه فيه المستشفيات وسيارات الإسعاف والبلديات وقطاع النقل العام ظروفاً غير مسبوقة نتيجة القيود المفروضة على إدخال المواد التشغيلية وقطع الغيار.
وتحذر الجهات الحكومية والحقوقية من أن استمرار هذا الواقع يدفع القطاعات الحيوية نحو مزيد من الانهيار، ويضاعف معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعتمدون على هذه الخدمات في حياتهم اليومية.
**المستشفيات أمام خطر التوقف
في القطاع الصحي، تتفاقم الأزمة مع استمرار الاعتماد على عدد محدود من المولدات الكهربائية لتشغيل المستشفيات والمرافق الطبية. وبحسب مسؤولين في وزارة الصحة، لا يعمل حالياً سوى 39 مولداً بكفاءة منخفضة وبكميات محدودة جداً من الزيوت، فيما تواجه 11 مولداً إضافياً خطر التوقف في حال تعذر إجراء أعمال الصيانة اللازمة.
ويهدد هذا الواقع استمرار عمل غرف العمليات الجراحية وأقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال الخدج وأجهزة التنفس الصناعي، إضافة إلى مراكز غسيل الكلى التي يعتمد عليها مئات المرضى بشكل منتظم. وتؤكد وزارة الصحة أن أي توقف لهذه الخدمات قد ينعكس مباشرة على حياة المرضى ويزيد من معدلات الوفاة والمضاعفات الصحية.
**سيارات الإسعاف تفقد قدرتها على الاستجابة
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المستشفيات، بل تمتد إلى خدمات الإسعاف والنقل الطبي. ويقول محمود حماد، مدير عام الشؤون الإدارية بوزارة الصحة، إن الوزارة فقدت نحو 70% من سيارات الإسعاف والنقل الطبي، بينما تعاني المركبات المتبقية من أضرار جزئية وتهالك شديد.
ويضيف أن مخزون الزيوت في المستودعات وصل إلى الصفر، ما تسبب في توقف نحو 60 سيارة إسعاف عن العمل بسبب نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار والبطاريات والإطارات، الأمر الذي يحد من قدرة الطواقم الطبية على إخلاء المصابين ونقل المرضى بين المستشفيات، ويضع خدمات الطوارئ أمام خطر التوقف الكامل.
**أزمة تمتد إلى المياه والصرف الصحي
كما انعكست أزمة الزيوت وقطع الغيار على عمل البلديات التي تعتمد على الآليات الثقيلة في جمع النفايات وتشغيل آبار المياه ومحطات الضخ والصرف الصحي.
وأدى النقص الحاد في مستلزمات التشغيل إلى تقليص عمليات جمع النفايات وتراكمها داخل الأحياء السكنية ومراكز الإيواء، بالتزامن مع تراجع كفاءة خدمات المياه والصرف الصحي، ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة والحشرات والقوارض.
وفي بيان مشترك، حذرت سلطة المياه وسلطة جودة البيئة واتحاد بلديات قطاع غزة من تدهور متسارع في الخدمات الأساسية، مشيرة إلى أن البلديات تواجه صعوبات كبيرة في تشغيل الآبار ومحطات التحلية والضخ التي توفر أكثر من 140 ألف متر مكعب يومياً من المياه للاستخدام المنزلي والشرب.
وفي المقابل، تضطر البلديات إلى تصريف نحو 60 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي الخام يومياً إلى البحر لمنع فيضانها داخل المناطق السكنية، وسط مخاوف متزايدة من تعطل محطة الضخ المرتبطة ببركة الشيخ رضوان بمدينة غزة، والتي تستقبل أكثر من 10 آلاف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً، ما قد يؤدي إلى فيضانات وتلوث بيئي واسع النطاق.
**شلل في قطاع النقل
وألقى نقص الزيوت ومواد التشحيم بظلاله أيضاً على قطاع النقل والمواصلات، حيث تراجعت حركة التنقل بشكل كبير وارتفعت تكاليفها بصورة غير مسبوقة.
وتشير التقديرات إلى خروج أكثر من 70% من مركبات النقل العام عن الخدمة كلياً أو جزئياً نتيجة تعطل المحركات بسبب عدم القدرة على إجراء الصيانة الدورية أو استبدال الزيوت في مواعيدها.
ويقول السائق سامر أحمد، إنه اضطر إلى مواصلة تشغيل مركبته بزيت مستهلك بعد أن تجاوز سعر لتر الزيت 2000 شيكل داخل القطاع، مقارنة بنحو 25 شيكلاً فقط خارجه، ما أدى في النهاية إلى تعطل المحرك وخسارته مصدر دخله الوحيد الذي كان يعيل أسرة مكونة من ثمانية أفراد.
**قيود على إدخال المواد التشغيلية
من جانبه، أوضح إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن النقص الحاد في الزيوت والفلاتر وقطع الغيار بات أحد أكبر التحديات التي تواجه استمرار الخدمات الصحية والإغاثية.
وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية تدرج العديد من الزيوت الصناعية وقطع الغيار ضمن قائمة المواد "مزدوجة الاستخدام"، ما يمنع دخولها إلى القطاع، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمة وتوسيع نطاق تأثيرها على مختلف القطاعات الحيوية.
وتؤكد مؤسسات حقوقية وإنسانية أن نقص هذه المواد لم يعد مجرد مشكلة تقنية، بل تحول إلى أزمة إنسانية مركبة تضرب البنية التحتية والخدمات الأساسية وتدفع القطاع نحو مزيد من الانهيار.
وفي ظل هذا الواقع، تطالب وزارة الصحة والمؤسسات الإنسانية بالسماح العاجل بإدخال ما لا يقل عن 2500 لتر من الزيوت شهرياً، إلى جانب رفع القيود المفروضة على قطع الغيار والمواد التشغيلية، للحيلولة دون توقف المزيد من المرافق والخدمات الحيوية في قطاع غزة.
شحّ الزيوت يشلّ غزة.. المستشفيات والإسعاف والبلديات على حافة التوقف
الرسالة نت-خاص