لم يعد الجرس المدرسي يعلن بداية امتحان الثانوية العامة في قطاع غزة، ولم تعد القاعات المجهزة والمقاعد الخشبية جزءًا من المشهد. هذا العام، كما في العامين السابقين، يخوض آلاف الطلبة امتحانهم المصيري من داخل خيام النزوح، حيث تتحول قطعة قماش مهترئة إلى غرفة دراسة، ويصبح الهاتف المحمول قاعة امتحان، بينما تتحول الكهرباء والإنترنت إلى الشرط الأول للنجاح.
داخل خيمة لا تقي حر الصيف ولا ضجيج الطائرات، يجلس الطلبة أمام شاشات هواتفهم المحمولة، يحاولون التركيز وسط أصوات القصف، وازدحام أفراد الأسرة، وانقطاع التيار الكهربائي، وضعف شبكة الإنترنت.
وبينما يبدأ أقرانهم في الضفة الغربية امتحاناتهم داخل المدارس، يؤدي طلبة غزة اختباراتهم إلكترونيًا، في تجربة استثنائية فرضتها الحرب وتدمير البنية التعليمية.
وللعام الثالث على التوالي، يحرم طلبة غزة من التعليم الوجاهي، بعد أن دمرت الحرب أو ألحقت أضرارًا بأكثر من 97% من المدارس، فيما بات مئات الآلاف من الأطفال خارج الفصول الدراسية، مع اعتماد التعليم الذاتي والمنصات الإلكترونية بديلًا اضطراريًا عن المدرسة.
ويبلغ عدد المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة هذا العام نحو 37,698 طالبًا وطالبة في قطاع غزة، إضافة إلى 1,941 طالبًا من أبناء القطاع الموجودين خارج فلسطين، بينما يتقدم 51,499 طالبًا في الضفة الغربية للامتحانات الوجاهية. كما حُرم عشرات الطلبة الأسرى من أداء الامتحانات بسبب اعتقالهم.
لكن الامتحان في غزة لا يقيس المعرفة وحدها، بل يقيس أيضًا القدرة على تجاوز العقبات اليومية. فالطالب قد يفقد فرصته بسبب انقطاع الإنترنت أو نفاد شحن الهاتف، أو اضطراره لمغادرة الخيمة بحثًا عن مقهى يوفر اتصالًا أكثر استقرارًا، بينما يواصل آخرون المراجعة على ضوء بطارية صغيرة أو في ساعات الفجر هربًا من حرارة الخيام.
ولا تتوقف المعاناة عند الجانب التقني؛ إذ يعيش الطلبة تحت وطأة الخوف من القصف، في وقت تستمر فيه عمليات النزوح، ويواجه كثير منهم فقدان أفراد من عائلاتهم أو تدمير منازلهم، فيما اضطر آخرون إلى العمل لتأمين احتياجات أسرهم، على حساب الدراسة والاستعداد للامتحانات.
ورغم هذه الظروف، يتمسك آلاف الطلبة بحقهم في التعليم، معتبرين أن النجاح في "التوجيهي" ليس مجرد انتقال إلى الجامعة، بل شكل من أشكال الصمود في وجه الحرب، ورسالة بأن مستقبلهم لا يزال يستحق المحاولة، حتى وإن كُتب من داخل خيمة نزوح.
وفي غزة، لم تعد الخيمة مجرد مأوى للنازحين، بل أصبحت مدرسة وقاعة امتحان، ومكانًا تُختبر فيه أحلام جيل كامل يحاول أن يصنع مستقبله، بينما تدور الحرب من حوله.