لم يكن النشر أو اختيار اللغة أول ما شغل الصحفي والكاتب الفلسطيني وسام عفيفة عندما بدأ كتابة كتابه «ناجون من الظلام». كان همه الأول أن ينقذ شهادة إنسانية من الضياع، وأن يحفظ تفاصيل تجربة قد تبتلعها سرعة الأحداث. ويقول إن التقارير الحقوقية والصحفية وثقت جانبًا مهمًا مما جرى داخل السجون الإسرائيلية، لكنها بقيت عاجزة عن نقل ما يحدث للإنسان من الداخل.
ويضيف أن اللغة القانونية، رغم أهميتها، تختزل التجربة في عبارات مثل "تعرض للتعذيب" أو "تعرض لانتهاكات جسيمة"، بينما لا تنقل الخوف، ولا العزلة، ولا انهيار الزمن داخل الزنزانة، ولا ما يتركه ذلك من أثر في الروح. لذلك شعر أن من الظلم أن تتوقف هذه الروايات عند حدود الإفادة القانونية أو الخبر الصحفي، فسعى إلى تقديمها في مساحة تجعل القارئ يعيش التجربة لا أن يقرأ عنها فقط.
الإنسان قبل الأرقام
لهذا السبب، اختار عفيفة أن يُكتب الكتاب على هيئة مشاهد سردية متتابعة، تجمع بين التوثيق والرواية والصورة الإنسانية. يقول: "أردت للقارئ أن يرى الزنزانة، وأن يسمع الأصوات، وأن يشعر بما كان يعيشه المعتقلون خلف الجدران."
ويؤكد أن الحديث عن الألم، مهما كان قاسيًا، قد يكون جزءًا من العلاج. فالإنسان عندما يروي ما جرى له، ويشعر أن العالم استمع إليه وفهمه، يستعيد جزءًا من الكرامة التي حاول السجان انتزاعها منه.
أسامة شاهدًا وشريكًا
يمنح عفيفة مساحة خاصة للحديث عن بطل الكتاب، الصحفي والمخرج التلفزيوني أسامة الكحلوت، مؤكدًا أن خصوصية تجربته تكمن في أنها تجمع بين أكثر من بعد؛ فهو أسير وناجٍ وصحفي ومخرج، ولذلك تمثل قصته نافذة لفهم تجربة آلاف المعتقلين الفلسطينيين.
ويكشف أنه أجرى معه سلسلة طويلة من الجلسات المسجلة. في البداية لم يكن الحديث سهلًا، لكن شعوره بأهمية توثيق ما جرى دفعه إلى الحديث بكل ما يحمله من ألم. ومع مرور الوقت، لم يعد أسامة مجرد شاهد، بل أصبح شريكًا في الكتاب، يحمل أيضًا قصص من عاشوا معه تجربة الأسر.
ويقول عفيفة: "في اللقاءات الأخيرة صار يحكي أكثر فأكثر، وكأن الشهادة لم تعد مجرد مادة للكتاب، بل أصبحت تفريغًا نفسيًا وعلاجًا مؤقتًا لألم ظل مكتومًا."
رمزية سديه تيمان
وعندما وصف معتقل سديه تيمان بأنه "أوشفيتز الفلسطيني"، يوضح أن هدفه لم يكن إجراء مقارنة تاريخية حرفية بين تجربتين مختلفتين، بل استدعاء المعنى الأخلاقي الذي أصبح يحمله اسم أوشفيتز بوصفه رمزًا عالميًا لمعسكرات الاعتقال والتجريد من الإنسانية والانتهاكات المنظمة.
ويضيف أن ما يلفت الانتباه في سديه تيمان أن الضحايا والشهود ما زالوا أحياء. لسنا أمام وقائع تُكتشف بعد عقود، بل أمام أشخاص يخرجون اليوم ويحملون آثار التعذيب في أجسادهم وذاكرتهم، ويقدمون شهاداتهم مباشرة أمام العالم.
ويتابع: "أردت أن أطرح سؤالًا أخلاقيًا أكثر منه تاريخيًا: إذا كان العالم يقول إنه تعلم من مآسي الماضي، فكيف يتعامل مع مآسٍ مشابهة تحدث أمام عينيه اليوم؟"
حين تعجز الكلمات
خلال عملية التوثيق، واجه عفيفة شهادات اعترف بأنها كانت من أصعب ما مر عليه، خاصة تلك المتعلقة بالاعتداءات الجنسية التي تعرض لها بعض الأسرى.
ويقول إن الصعوبة لم تكن في الكتابة فقط، بل في محاولة استيعاب أن إنسانًا يمكن أن يتعرض لهذا القدر من الإذلال والعنف. "عندما تستمع إلى مثل هذه الشهادات لا تبقى مجرد كاتب أو صحفي، بل تجد نفسك مكان الضحية، وتتساءل: ماذا لو كنت أنا؟ وكيف يمكن لإنسان أن يواصل حياته بعد ذلك؟"
ويضيف أن الكلمات كثيرًا ما بدت عاجزة عن حمل حجم الألم، وأن الكتابة نفسها أصبحت اختبارًا نفسيًا لمن يروي، ولمن يستمع، ولمن يكتب في الوقت نفسه.
الموت أقل قسوة
لكن أكثر ما صدمه، كما يقول، لم يكن أشكال التعذيب وحدها، بل اكتشاف الحدود التي يمكن أن يصل إليها الإنسان عندما يُجرده شخص آخر من إنسانيته.
ويشير إلى أن بعض الشهادات أظهرت أن ما جرى تجاوز فكرة العقاب أو الاحتجاز، ليصبح محاولة منهجية لكسر الإنسان نفسيًا ومعنويًا، حتى بات من الصعب تصديق أن هذه الوقائع تحدث في عصرنا الحالي وأمام أنظار العالم.
ويضيف أن كثيرًا من الضحايا لم يكونوا يتحدثون عن الألم الجسدي فقط، بل عن معركة طويلة للحفاظ على كرامتهم. ومن أكثر الأفكار التي بقيت عالقة في ذهنه أن الإنسان قد يصل أحيانًا إلى مرحلة يصبح فيها الموت أقل قسوة من العذاب الذي يعيشه، أو كما يقول: "قد يصبح الموت في لحظة ما ترفًا."
ويؤكد أن هذه الفكرة تكررت في أكثر من شهادة، ولذلك لم يشعر بعد انتهاء الكتاب بأنه أغلق ملفًا صحفيًا، بل حمل جزءًا من ذاكرة هؤلاء الأشخاص ومسؤولية نقلها إلى العالم.
رحلة صناعة الكتاب
استغرقت عملية إعداد الكتاب عدة أشهر من العمل المتواصل، بدأت بجمع الشهادات وتسجيلها وتفريغها، ثم مراجعتها والتحقق منها، وإعادة بنائها في قالب سردي.
ويقول إنه لم يرد تقديم مقابلة طويلة أو تسلسلًا زمنيًا تقليديًا، بل حرص على أن يكون كل مشهد قائمًا بذاته، ويمكن أن يتحول لاحقًا إلى قصة قصيرة، أو مشهد سينمائي، أو جزء من فيلم وثائقي أو عمل درامي.
وخلال عملية الكتابة، عرض أجزاء من العمل على عدد من الزملاء والأصدقاء للاستفادة من ملاحظاتهم، وكان من بينهم الصحفية رشا فرحات، قبل الوصول إلى الصيغة النهائية.
الإنجليزية أولًا
ويؤكد عفيفة أنه لم يبدأ الكتابة وهو يفكر في اللغة التي سيصدر بها الكتاب، بل كان هدفه الأول حفظ الشهادة قبل أن تضيع تفاصيلها. وبعد اكتمال المشروع، بدأت النقاشات مع عدد من الأصدقاء والزملاء حول أفضل السبل لإيصاله إلى العالم.
ويرى أن إصدار الكتاب باللغة الإنجليزية أولًا يمنحه فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، خاصة أن قضية الأسرى والانتهاكات داخل المعتقلات ما تزال مجهولة نسبيًا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي.
ويشير أيضًا إلى أن عددًا من الأصدقاء والزملاء، وفي مقدمتهم الدكتور رامي عبده، ساهموا في فتح قنوات التواصل مع دور نشر مهتمة بالمشروع حتى خرج إلى النور.
الرواية الفلسطينية
ويعتقد عفيفة أن الفلسطينيين ما زالوا بحاجة إلى مزيد من الكتب والأفلام والأعمال السردية الموجهة إلى الرأي العام الغربي، لأن المشكلة ليست في غياب القصص، بل في أن كثيرًا منها لا يصل إلى العالم بالشكل الذي يسمح بفهمها والتفاعل معها.
ويقول إن آلاف الشهادات الإنسانية تبقى محصورة داخل الدوائر المحلية أو تُختزل في الأخبار العاجلة والتقارير الحقوقية، بينما تحتاج إلى أعمال تنقل التجربة الإنسانية بلغة يفهمها العالم دون أن تفقد صدقها أو هويتها. فالمعركة، كما يرى، ليست على الأرض فقط، بل أيضًا على الذاكرة والرواية.
حماية الذاكرة
ويضيف أن أكثر ما كان يقلقه خلال الكتابة هو أن تضيع هذه الشهادات وسط الزخم الهائل للأخبار والصور والتقارير. فكثرة المعلومات لا تعني بالضرورة حفظ الذاكرة، وكان يخشى أن تتحول هذه التجارب إلى بضعة أسطر في تقرير حقوقي أو أرشيف صحفي.
لذلك شعر أن من واجب الفلسطينيين أن يصنعوا أرشيفهم بأنفسهم، وأن يحفظوا روايتهم وينقلوها إلى العالم بلغاته المختلفة، حتى تبقى حاضرة في الضمير الإنساني بعد أن تتوقف الحرب وتغادر الكاميرات.
الصمت ليس حيادًا
وعن الرسالة التي يتمنى أن تبقى في ذهن أي مسؤول غربي يقرأ الكتاب، يقول: "أتمنى أن يدرك أن الصمت ليس موقفًا محايدًا."
ويضيف أنه يتمنى أن يشعر القارئ بأن ما جرى لم يحدث في مكان بعيد عنه، بل أمام أنظار عالم كان يملك القدرة على أن يرى ويسمع ويتحرك، وأن يدرك أن الإنسان الفلسطيني لم يكن يطلب امتيازًا خاصًا، بل الحقوق نفسها التي يعتبرها العالم حقوقًا طبيعية لكل البشر.
كما يأمل أن يقود هذا الإدراك إلى الاعتراف بأن الفلسطينيين يتعرضون للإبادة، ولفظائع وجرائم حرب، وأن العدالة تبدأ أولًا بالاعتراف بالحقيقة.
العدالة تبدأ
ويختتم عفيفة حديثه بالتأكيد على أن «ناجون من الظلام» ليس وثيقة قانونية بالمعنى المهني المباشر، بل محاولة لحفظ شهادة إنسانية موثقة يمكن أن تصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية.
ويؤمن بأن المعركة من أجل العدالة تبدأ بحماية الرواية من التزوير والنسيان، وأن كل شهادة تُوثق اليوم تمثل لبنة جديدة في بناء الحقيقة التاريخية، وتسهم في دعم جهود التوثيق والمساءلة، ووضع مجرمي الحرب، من قادة الاحتلال ومن ساندهم، أمام العدالة.
ويختم بقوله: "فالعدالة لا تبدأ داخل قاعة المحكمة فقط، بل تبدأ أيضًا في وعي الناس، وفي قدرتهم على رؤية الضحية وسماعها والإيمان بحقها في الإنصاف."