قائمة الموقع

من شلال العوجا إلى المنفى داخل الوطن.. سليمان زايد يروي حكاية التهجير الصامت في الأغوار

2026-06-21T09:09:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم يكن المواطن سليمان زايد يتخيل أن اليوم سيأتي وهو يفكك خيمته بيديه، ويحمل ألواح الصفيح والأخشاب على شاحنة صغيرة، تاركًا خلفه أرضًا ورثها عن آبائه وأجداده، ومرعى حفظت أغنامه دروبه كما يحفظ الإنسان طريق بيته.
في تجمع شلال العوجا البدوي شمال مدينة أريحا، كانت الحياة تدور حول الأرض والماء والماشية. لكن هذه الحياة أخذت تتآكل تدريجيًا مع توسع البؤر الاستيطانية وتصاعد اعتداءات المستوطنين، حتى تحول البقاء إلى مخاطرة يومية.
يقول سليمان إن الليل لم يعد للنوم، بل للحراسة. كان يتناوب مع ابنه، الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، على حماية المنزل والمواشي من هجمات المستوطنين، فيما كانت البؤر الاستيطانية تقترب أكثر فأكثر من التجمع، وتضيق الخناق على سكانه.
ويضيف أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على التخويف، بل شملت سرقة المواشي، والاعتداء على الرعاة، ومنع الوصول إلى المراعي، وملاحقة الأطفال، حتى لم يعد أمام العائلة سوى الرحيل.
وقف سليمان للمرة الأخيرة أمام أرضه، ثم بدأ بتفكيك الخيمة وبركسات الأغنام قطعةً قطعة، وكأنه يهدم سنوات عمره بيديه. لم يكن يرحل بحثًا عن حياة أفضل، بل هربًا من واقع جعل البقاء مستحيلاً.
غير أن التهجير لم ينهِ معاناته، إذ استمرت المضايقات حتى في المكان الذي نزحت إليه عائلته، ووصلت إلى حد الاعتداء على أطفاله أثناء توجههم إلى المدرسة، في مشهد يقول أن التهجير عملية مستمرة تهدف إلى اقتلاع الفلسطيني من أرضه.
وتمثل قصة سليمان نموذجًا لما تتعرض له التجمعات البدوية والرعوية في الأغوار الفلسطينية ومناطق (ج)، التي أصبحت الأكثر استهدافًا بعمليات التهجير القسري.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن أكثر من 2200 فلسطيني هُجّروا في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026 بسبب اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمراعي، بعد تسجيل أكثر من 1000 اعتداء للمستوطنين في أكثر من 230 تجمعًا فلسطينيًا خلال الفترة نفسها.
كما وثقت الأمم المتحدة تهجير أكثر من 1800 فلسطيني حتى مطلع أبريل/نيسان 2026، تجاوز 60% منهم في منطقة الأغوار، وهو رقم فاق إجمالي المهجرين بسبب عنف المستوطنين طوال عام 2025.
ومنذ مطلع عام 2023، تعرضت 116 تجمعًا فلسطينيًا للتهجير الكامل أو الجزئي نتيجة اعتداءات المستوطنين وحرمان السكان من الوصول إلى أراضيهم، فيما أُفرغت 45 قرية وتجمعًا بالكامل من سكانها، بلغ عددهم أكثر من 3500 فلسطيني، معظمهم من التجمعات البدوية والرعوية.
وتحذر الأمم المتحدة من أن هذه الاعتداءات لا تقتصر على العنف المباشر، بل تشمل إقامة البؤر الاستيطانية، وإغلاق المراعي، وتدمير مصادر المياه، وفرض قيود على الحركة، وهي ممارسات تخلق ما تصفه بـ"البيئة القسرية" التي تدفع السكان إلى الرحيل دون أوامر إخلاء رسمية.
وفي الأغوار، التي تشكل نحو 30% من مساحة الضفة الغربية، تتكرر هذه المشاهد بصورة يومية، حيث تتحول الخيام إلى حقائب سفر، والمراعي إلى مناطق محظورة، فيما يجد الرعاة أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: البقاء تحت التهديد المستمر، أو الرحيل وترك كل ما يملكون.
أما سليمان زايد، فلا يصف ما جرى بأنه انتقال من مكان إلى آخر، بل يقول إنه ترك جزءًا من عمره في شلال العوجا، حيث بقيت الأرض تنتظر أصحابها، فيما بقيت ذاكرة المكان أثقل من أن تُحمل على شاحنة.

اخبار ذات صلة