قائمة الموقع

بين جدران السجن وصمت التوحد... رفيق ياسين وابنه عبد الكريم يدفعان ثمن الاعتقال حتى بعد الحرية

2026-06-21T08:52:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم تنتهِ معاناة المواطن رفيق ياسين يوم خرج من سجون الاحتلال، فالأبواب الحديدية أُغلقت خلفه، لكن آثارها بقيت مفتوحة في ذاكرته وجسد ابنه عبد الكريم، المصاب باضطراب طيف التوحد، والذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.
يحاول رفيق أن ينسى الأشهر الستة التي قضاها في الاعتقال، لكن النوم بات بعيد المنال. يقول: "منذ خرجت من السجن وأنا لا أنام إلا بالأدوية المنومة والمهدئات". ويؤكد أن تجربة الاعتقال لم تنتهِ بالإفراج عنه، بل تضاعفت حين خرج ليجد ابنه وقد تغير بصورة مؤلمة.
اعتقل جنود الاحتلال الأب وابنه بعد محاصرتهما في حي الزيتون شرقي مدينة غزة. ورغم قسوة المعتقل، شكّل وجود عبد الكريم إلى جانب والده مصدر عزاء له، لكنه لم يكن يدرك أن آثار التجربة سترافقهما طويلًا.
يقول رفيق: "في البداية كان لدى عبد الكريم أعراض التوحد، لكنه كان يتحدث ويتفاعل، أما اليوم فقد تغير 180 درجة". ويضيف أن ابنه أصبح أكثر انطواءً، قليل الكلام، سريع الانفعال، وازدادت لديه صعوبات الفهم والاستيعاب، كما بات يصدر حركات وتصرفات غير مألوفة، في وقت لم يعد فيه داخل غزة مختصون قادرون على تقديم الرعاية اللازمة لأطفال التوحد.
ويصف رفيق ما جرى داخل المعتقل بأنه يفوق الوصف، قائلاً: "لم يكن الجنود بحاجة إلى سبب للاعتداء علينا، كانوا يتسلون بضربنا وتعذيبنا، وبالبساطة نفسها كان بإمكانهم أن يتسلوا بقتل أحد الأسرى".
ويؤكد أن ابنه تعرض للضرب بصورة متكررة، وفي إحدى المرات عُزل لفترة طويلة، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا بالغًا عليه. كما شمل التعذيب، الحرمان من الطعام، ومن النظافة الشخصية، مع انتشار الأمراض وانعدام الرعاية الصحية.
ويضيف: "خرجنا من المعتقل، لكننا خرجنا أيضًا محملين بآثار ما عشناه هناك. ما زالت أجسادنا تحمل الندوب والجروح التي خلفها التعذيب، وما زلنا ندفع الثمن حتى اليوم".
ولا تقتصر معاناة رفيق على ما عاشه داخل السجن، بل تمتد إلى عجزه عن توفير العلاج والتأهيل لابنه في ظل انهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة، قائلاً: "لم يعد هناك من يستطيع التعامل مع أطفال التوحد أو تقديم ما يحتاجونه من رعاية".
وتأتي قصة رفيق ضمن واقع أوسع يعيشه آلاف الفلسطينيين الذين تعرضوا للاعتقال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد نفذت قوات الاحتلال حملات اعتقال واسعة في قطاع غزة والضفة الغربية، طالت آلاف المدنيين، بينهم أطفال ومرضى وكبار سن، فيما لا يزال مصير عدد كبير من معتقلي غزة مجهولًا نتيجة سياسة الإخفاء القسري.
ووفق مؤسسات الأسرى، تحتجز سلطات الاحتلال أكثر من 1200 معتقل من قطاع غزة ممن اعترفت بوجودهم، بينما يتجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال 9600 أسير، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن آلافًا آخرين من غزة تعرضوا للاعتقال دون الكشف عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم.
كما وثقت المؤسسات الحقوقية استشهاد عشرات الأسرى داخل السجون ومراكز الاحتجاز منذ اندلاع الحرب، في ظل شهادات متكررة عن التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، والاعتداءات الجسدية والنفسية، وهي ممارسات تركت آثارًا عميقة على المفرج عنهم وأسرهم.
وبين أب فقد القدرة على النوم، وطفل فقد كثيرًا من قدرته على التواصل مع العالم، تختصر قصة رفيق وعبد الكريم حقيقة موجعة؛ فآثار الاعتقال لا تنتهي عند فتح أبواب السجون، بل تمتد لتسكن الجسد والذاكرة، وتلاحق أصحابها في كل تفاصيل حياتهم.
ويختتم رفيق شهادته بكلمات تلخص معاناته المستمرة: "الثمن لم ينتهِ عند الإفراج عنا... فما زلت أنا وابني ندفعه حتى هذه اللحظة."

اخبار ذات صلة