قائمة الموقع

مختبرات غزة على حافة الانهيار.. نقص حاد يهدد التشخيص ويُفاقم معاناة المرضى

2026-06-19T11:28:00+03:00
الرسالة نت - خاص

تتعمق الأزمة الصحية في قطاع غزة يوماً بعد يوم، مع استمرار الحصار الإسرائيلي وتداعيات الحرب المدمرة التي استهدفت مختلف مرافق الحياة، لتصل اليوم إلى واحدة من أخطر حلقات المنظومة الصحية وأكثرها حساسية؛ وهي المختبرات الطبية وبنوك الدم، التي تواجه نقصاً غير مسبوق في المواد والمستلزمات الأساسية اللازمة لإجراء الفحوصات الطبية وتشخيص الأمراض.
وحذرت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة من أن نسبة العجز في المستلزمات المخبرية ومواد الفحص وصلت إلى 87%، في مؤشر خطير يعكس حجم التدهور الذي تعيشه المؤسسات الصحية في القطاع، ويهدد قدرة الطواقم الطبية على تقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية للمرضى والجرحى.
ويأتي هذا التحذير في وقت يواصل فيه القطاع مواجهة تداعيات حرب استمرت أكثر من عامين، ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية الصحية، وأخرجت العديد من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة، فيما لا تزال القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المستلزمات الطبية تعيق جهود إنقاذ ما تبقى من المنظومة الصحية.
وأكدت وزارة الصحة، في بيان أصدرته مؤخرا، أن النقص الحاد في مواد الفحص وأجهزة المختبرات ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المختبرات على أداء مهامها، ويحد من إمكانية إجراء الفحوصات الضرورية للمرضى والجرحى، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أعداد الإصابات والحالات المرضية التي تتطلب متابعة دقيقة.
وتكشف الأرقام الرسمية عن تفاقم متسارع للأزمة، إذ كانت الوزارة قد أعلنت مطلع مايو/أيار الماضي أن نسبة العجز في مواد الفحص بلغت 86%، قبل أن ترتفع خلال أسابيع قليلة إلى 87%، ما يعكس استمرار استنزاف المخزون المتبقي وعدم قدرة المؤسسات الصحية على تعويض النقص القائم.
مرضى بلا فحوصات
في أروقة المستشفيات، تتحول الأزمة إلى معاناة يومية يعيشها المرضى وعائلاتهم. ويقول حسن سالم زوج إحدى المريضات إنه قصد المستشفى لإجراء تحاليل ضرورية لزوجته التي تعاني اضطرابات هرمونية وغدية، إلا أنه فوجئ بعدم توفر الفحوصات المطلوبة، الأمر الذي حال دون متابعة حالتها الصحية بالشكل اللازم.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المرضى الذين يحتاجون إلى فحوصات روتينية، بل تمتد إلى الأقسام الحيوية داخل المستشفيات، حيث تعتمد أقسام الطوارئ والعناية المركزة والعمليات الجراحية وحضانات الأطفال بشكل أساسي على النتائج المخبرية لاتخاذ قرارات علاجية عاجلة، ما يجعل أي خلل في عمل المختبرات تهديداً مباشراً لحياة المرضى.
وفي أقسام غسيل الكلى، تبدو المخاطر أكثر وضوحاً، إذ يحتاج المرضى إلى متابعة دورية لمؤشرات حيوية دقيقة لتقييم استجابتهم للعلاج وتجنب المضاعفات الخطيرة. وتؤكد إحدى المريضات المسنات أن الفحوصات الدورية تمثل بالنسبة لها مسألة حياة أو موت، محذرة من أن توقف المختبرات أو تقليص خدماتها يعني فقدان القدرة على متابعة وضعها الصحي.
تشخيص مؤجل
وتعكس المشاهد اليومية في أقسام استقبال العينات حجم الضغط الواقع على المختبرات العاملة، حيث يتوافد المرضى على مدار الساعة أملاً في إجراء الفحوصات المطلوبة، إلا أن كثيرين يغادرون دون الحصول على الخدمة بسبب نفاد المواد اللازمة أو تعطل بعض الأجهزة الطبية.
ويؤكد أطباء  أن النقص الحاد في المستلزمات المخبرية وتعطل عدد من أجهزة الفحص يدفع الطواقم الطبية إلى المفاضلة بين الحالات وفق الأولوية الطبية، ما يؤدي إلى تأخير التشخيص وتأجيل التدخل العلاجي، خاصة لدى المرضى الذين تستدعي حالاتهم قرارات طبية عاجلة.
شلل في منظومة التشخيص
من جانبه، حذر المدير العام لوزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش من أن استمرار العجز في مستلزمات المختبرات يهدد بشل منظومة التشخيص داخل المستشفيات، ويقوض قدرة الأطباء على اتخاذ قرارات علاجية دقيقة تستند إلى نتائج مخبرية موثوقة.
وأوضح البرش في تصريحات صحفية أن تقييد عمل المختبرات يؤخر اكتشاف العديد من الحالات الخطيرة، مثل النزيف الداخلي والفشل الكلوي واضطرابات القلب، ما قد يحول أمراضاً قابلة للعلاج إلى تهديد مباشر لحياة المرضى.
وأضاف أن الطواقم الطبية تضطر في بعض الأحيان إلى اتخاذ قرارات علاجية في ظل نقص المعلومات المخبرية اللازمة، الأمر الذي يزيد احتمالات الأخطاء الطبية، سواء في اختيار العلاج المناسب أو تحديد الجرعات الدوائية، ويرفع من خطر حدوث مضاعفات صحية خطيرة.
وأشار إلى أن الفئات الأكثر تضرراً من الأزمة تشمل مرضى العناية المركزة، والأطفال، وكبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة، الذين تعتمد متابعتهم الصحية بشكل أساسي على الفحوصات الدورية.
خطر يهدد ما تبقى من المنظومة الصحية
ويرى مختصون أن استمرار النقص الحاد في المواد المخبرية لا يعني فقط تراجع القدرة على إجراء الفحوصات الطبية، بل يهدد بتعطيل خدمات حيوية تشمل فحوص الأورام والهرمونات والأمراض المزمنة وبنوك الدم، الأمر الذي ينعكس مباشرة على فرص العلاج والنجاة لدى آلاف المرضى.
وفي ظل غياب حلول عاجلة، تتصاعد التحذيرات من انهيار أحد أهم أعمدة الرعاية الصحية في غزة، حيث لم تعد الأزمة تقتصر على نقص الأدوية أو الأسرّة الطبية، بل باتت تمتد إلى أدوات التشخيص نفسها، ما يضع الأطباء أمام معركة يومية لعلاج المرضى بأقل الإمكانات المتاحة، وسط مخاوف من اتساع رقعة الكارثة الصحية في القطاع المحاصر.

اخبار ذات صلة