قائمة الموقع

مقال: الطلبة مواليد 2008

2026-06-19T09:22:00+03:00
أ. مجدي برهوم

ليسوا مجرد رقمٍ في سجل المواليد، بل حكايةُ جيلٍ كُتب عليه أن ينمو بين الحرب والحرب، وأن يتعلّم معنى النجاة قبل أن يتعلّم معنى الحياة.
هذا الجيل لم يُولد على صوت تهويدات الأمهات وحدها، بل وُلد على هدير الطائرات، وعلى ارتجاف الجدران، وعلى قلوبٍ كانت تدعو أن تمرّ الليلة بسلام.
كانت ولادتهم في حرب 2008…
فكان أول ما استقبل أسماعهم صوتُ القصف بدلًا من زغاريد الفرح.
كبروا قليلًا، فإذا بحرب 2012 تطرق أبواب طفولتهم،
فتعلّموا باكرًا أن بعض الأطفال لا يحفظون أسماء الألعاب فقط، بل يحفظون أيضًا أسماء الصواريخ وأصوات الطائرات.
ثم جاءت حرب 2014، متزامنة مع خطواتهم الأولى إلى المدرسة…
دخلوا صفوفهم بحقائب صغيرة، لكنهم حملوا في صدورهم ما لا تحتمله الأعمار: خوفًا مؤجلًا، وفقدًا مبكرًا، وذاكرةً مثقلة بصور الركام.
ومع حرب 2021، لم تُختبر طفولتهم فقط، بل اختُبرت أرواحهم،
كبروا أسرع مما ينبغي، ونضجوا على قسوة لم يخترها أحد لهم.

واليوم يقفون على أعتاب الثانوية العامة، لا في موسمٍ طبيعي، ولا في ظروفٍ تشبه ما عرفه الطلبة عبر التاريخ، بل في حربٍ دامية، ومقتلةٍ مفتوحة، ومشهدِ إبادةٍ يتجاوز الوصف.

يا الله…
أيُّ مفارقةٍ أشد قسوة من طالبٍ يراجع قوانين الفيزياء، فيما قانون النجاة حوله مكسور؟
وأيُّ مشهدٍ أوجع من طالبٍ يحفظ التواريخ، بينما يعيش كل يوم تاريخًا من الدم؟
هؤلاء لا يقدّمون امتحانًا دراسيًا فقط…
هؤلاء يقدّمون امتحان الصبر، وامتحان الثبات، وامتحان الإيمان بأن بعد هذا الليل فجرًا لا بد أن يأتي.
إنهم يكتبون إجاباتهم،
وفي الخارج تُكتب أسماء الشهداء.
يفتحون دفاترهم،
بينما أمهات كثيرات يفتحن أبواب الانتظار والدعاء.
إلى طلبة الثانوية العامة…
أنتم لستم دفعةً عابرة.
أنتم جيلٌ سيُذكر طويلًا.
جيلٌ علّم العالم أن الإرادة قد تراجع دروسها تحت القصف، وأن الأمل يمكن أن يزهر من بين الركام.
إن نجحتم — وستنجحون بإذن الله —
فلن يكون النجاح مجرد معدلٍ أو شهادة،
بل انتصارًا صغيرًا للحياة على الموت،
وللنور على العتمة،
وللإنسان على كل هذا الخراب.
سلامٌ على قلوبكم الصابرة،
سلامٌ على أمهاتكم الداعيات،
وسلامٌ عليكم وأنتم تصنعون من الألم مجدًا، ومن الصبر مستقبلًا.

اخبار ذات صلة