أظهرت حركة حماس خلال الفترة الأخيرة قدرًا من المرونة السياسية في تعاملها مع مختلف المبادرات والمقترحات المطروحة على طاولة النقاش، في إطار سعيها إلى دعم الجهود الرامية للتوصل إلى تفاهمات تسهم في تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها.
وتؤكد الحركة في مواقفها المعلنة حرصها على التعامل بإيجابية ومسؤولية مع المبادرات التي تضمن تحقيق المصالح الوطنية الفلسطينية، حيث أبدت استعدادًا لدراسة المقترحات المختلفة والتفاعل معها بما يخدم الأهداف الإنسانية والوطنية، مع التمسك بالحقوق الفلسطينية الأساسية والثوابت الوطنية.
ويعكس هذا النهج إدراكًا لأهمية توفير الظروف المناسبة لإنجاح المساعي الإقليمية والدولية الرامية إلى الوصول إلى تفاهمات تسهم في وقف التصعيد وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا.
وفي هذا السياق، تؤكد الحركة أن انخراطها في الحوارات والاتصالات الجارية يأتي انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية تجاه أبناء الشعب الفلسطيني، وحرصها على تحقيق نتائج ملموسة تخفف الأعباء الإنسانية وتفتح المجال أمام معالجة القضايا الملحة التي تواجه الفلسطينيين. كما تشدد على أهمية تضافر الجهود كافة للوصول إلى حلول تضمن حماية المدنيين وتعزيز فرص الاستقرار.
ويرى مراقبون أن المرونة التي تبديها الحركة في التعاطي مع الملفات المطروحة تعكس رغبة في إنجاح الجهود المبذولة من قبل الوسطاء والأطراف المعنية، بما يسهم في تقريب وجهات النظر وتجاوز العقبات التي قد تعترض مسار التفاهمات. كما أن هذا التعاطي المسؤول يهدف إلى توفير أرضية مناسبة للوصول إلى تفاهمات تحقق مصالح الشعب الفلسطيني وتلبي احتياجاته الإنسانية والوطنية.
توظيف للأوراق
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن حركة حماس أظهرت في ملف الهدنة الأخيرة مستوى عالياً من المرونة والمسؤولية الوطنية، في محاولة لفتح نافذة أمل أمام سكان قطاع غزة الذين أنهكتهم الحرب والحصار والدمار، وحرصاً على حماية مصالح الشعب الفلسطيني والتخفيف من معاناته.
وقال شاهين لـ"الرسالة نت": إن "الحركة التزمت بما طلب منها خلال المرحلة الأولى من اتفاق الهدنة، وعلى رأس ذلك ملف تبادل الأسرى، حيث نفذت عمليات التسليم وفق التفاهمات والآليات المتفق عليها، رغم التعقيدات الميدانية والسياسية الكبيرة".
واعتبر شاهين أن هذا السلوك لا يمكن قراءته باعتباره تنازلاً عن الثوابت، بل يمثل توظيفاً مدروساً لأوراق القوة في معركة سياسية طويلة لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية.
وأوضح أن القراءة المتعمقة للمشهد تكشف إدراك حماس لطبيعة المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن إدارة الصراع لا تقتصر على إطلاق النار أو وقفها، وإنما تشمل إدارة موازين القوى والمتغيرات والإرادات الدولية والإقليمية.
وأضاف أن الحركة أبدت تعاطياً إيجابياً مع مختلف الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات، بما في ذلك القضايا الإنسانية وترتيبات وقف إطلاق النار والمسارات التي من شأنها التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني.
وأكد شاهين أن هذه المرونة السياسية تعكس انتقالاً من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة الفرصة، في وقت يرى فيه أن إسرائيل لم تلتزم بالعديد من الاستحقاقات المرتبطة بالاتفاقات والتفاهمات، واستمرت في عملياتها العسكرية التي أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين.
وقال إن أكثر اللاعبين السياسيين صلابة ليس من يرفض التفاوض، بل من يعرف متى يتفاوض وكيف يحافظ على خطوطه الحمراء وهو على طاولة المفاوضات.
وأضاف أن حماس حرصت من خلال بياناتها ومواقفها المعلنة على التأكيد أن هدفها الأساسي يتمثل في الوصول إلى تفاهمات تضمن وقف العدوان، وتحقيق الإغاثة الإنسانية، ورفع المعاناة عن سكان قطاع غزة، إلى جانب معالجة الملفات الجوهرية المرتبطة بمستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.
وفي المقابل، أكد شاهين أن نجاح أي هدنة لا يمكن أن يعتمد على طرف واحد، لأن الاتفاقات السياسية لا تستمر بمنطق الإملاءات، وإنما بمنطق الالتزامات المتبادلة.
وأوضح أن دولة الاحتلال لم تلتزم، بالبروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال المساعدات، كما واصلت سياسات ميدانية أدت إلى توسيع نطاق سيطرتها على مساحات واسعة من قطاع غزة.
وأضاف أن فرص الوصول إلى اتفاق أكثر استقراراً تزداد كلما توفرت إرادة حقيقية لدى الأطراف المعنية والوسطاء الدوليين للانتقال من إدارة الأزمة إلى العمل على حلها.
وأوضح أن ما يجري اليوم يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية الدولية والوسطاء على كبح منطق القوة وفرض الالتزام بالتفاهمات القائمة.
وأشار شاهين إلى أن حماس دخلت هذا الاختبار السياسي وهي تحمل معادلة مركبة تجمع بين الصمود في الميدان والمرونة على طاولة التفاوض، معتبراً أن هذه المعادلة كثيراً ما تحدد مصير حركات التحرر الوطني في لحظات التحول التاريخي.
ولفت إلى أن التجارب السياسية تؤكد أنه لا توجد انتصارات مطلقة ولا هزائم أبدية، بل توجد قدرة على إدارة الزمن وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية تحفظ للشعوب حقها في الحياة والحرية والكرامة. واستدرك بالقول إن العديد من الاستحقاقات التي تم التوافق عليها ما زالت تنتظر التنفيذ، بما في ذلك بعض الترتيبات الإدارية والإنسانية، في ظل استمرار التحديات الميدانية والإنسانية في قطاع غزة.
وأوضح أن المرونة التي أبدتها حماس تضع مسؤولية إضافية على عاتق الوسطاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، ويتطلب ممارسة ضغط حقيقي على الاحتلال للالتزام ببنود الهدنة، ووقف استهداف المدنيين، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية، مشدداً على أن نجاح أي اتفاق لا يتحقق بالوعود السياسية وحدها، وإنما بوجود ضمانات ملزمة وإرادة دولية جادة تكفل احترام التفاهمات وتنفيذها.