تشهد منطقة النقب في الداخل الفلسطيني المحتل تصعيدًا متسارعًا في سياسات الهدم والملاحقة التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلية بحق القرى العربية مسلوبة الاعتراف، في ظل تحذيرات من أن هذه الإجراءات تتجاوز البعد التنظيمي والتخطيطي المعلن، لتندرج ضمن سياسة تهدف إلى التضييق على السكان الفلسطينيين ودفعهم نحو الرحيل عن أراضيهم التاريخية.
وتجسدت هذه السياسات مؤخرًا في قرية السر، إحدى القرى العربية، حيث اضطرت عائلة الأفشق إلى هدم ما يقارب 20 منزلًا بشكل ذاتي بعد تلقيها أوامر هدم من سلطات الاحتلال الإسرائيلية.
ويأتي هذا في إطار واقع يواجه فيه السكان خيارات محدودة، تتمثل إما في تنفيذ الهدم بأيديهم لتجنب الغرامات المالية الباهظة وتكاليف الجرافات، أو انتظار تنفيذ عمليات الهدم القسري من قبل سلطات الاحتلال.
ويقول أهالي النقب إن سياسة "الهدم الذاتي" التي تفرضها السلطات على العائلات العربية لا تقل قسوة عن الهدم المباشر، إذ تتحول الأسرة إلى طرف مجبر على إزالة منزلها ومصدر استقرارها بنفسها، تحت وطأة التهديد بالعقوبات والملاحقات القانونية.
ويرى السكان أن هذه السياسة تترك آثارًا اجتماعية ونفسية عميقة، خصوصًا على الأطفال والعائلات التي تجد نفسها فجأة بلا مأوى أو استقرار.
ويأتي ما جرى في قرية السر في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل قرى وتجمعات عربية أخرى في النقب، من بينها منطقة تل عراد، التي تواجه هي الأخرى تهديدات متواصلة بالهدم والاقتلاع.
وتؤكد الهيئات واللجان العربية في النقب أن جوهر الأزمة يكمن في استمرار رفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف بعشرات القرى العربية التي يعيش فيها عشرات الآلاف من الفلسطينيين البدو منذ عقود طويلة.
المحامي يوسف العطاونة عضو الكنيست السابق أكد ما تشهده قرية السر من عمليات هدم ذاتي للمنازل يعكس حجم الضغوط التي تمارسها سلطات الاحتلال على الأهالي، معتبرًا أن ما يجري يندرج في إطار سياسة متواصلة من الهدم والترحيل والتهجير تستهدف الفلسطينيين في النقب.
وأكد العطاونة في مقطع فيديو عبر حسابه في موقع "فيسبوك" أن إجبار العائلات على هدم منازلها بأيديها يمثل جريمة بحق السكان، خاصة أن سياسات الهدم لم تتوقف، بل تتصاعد بشكل متواصل في مختلف مناطق النقب.
وأضاف أن عشرات المنازل تواجه خطر الهدم، سواء في تل عراد أو في قرية السر، حيث اضطر السكان إلى تنفيذ عمليات الهدم بأنفسهم تحت وطأة الأوامر والإجراءات الإسرائيلية.
وشدد على ضرورة توحيد الجهود بين مختلف القوى والقيادات والمؤسسات العربية في النقب لمواجهة هذه السياسات، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب تفعيل العمل الجماهيري والميداني ووضع برنامج نضالي واضح للتصدي لمخططات الهدم والاقتلاع.
وقال العطاونة إن الصمت تجاه ما يحدث لم يعد ممكنًا في ظل استمرار عمليات هدم المنازل واستهداف التجمعات العربية، مؤكدًا أن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض الوقوف إلى جانب العائلات المتضررة وتعزيز صمودها على أرضها وفي قراها.
وأضاف أن الدفاع عن البيت والأرض يشكل مسؤولية جماعية، داعيًا إلى توفير أوسع أشكال الدعم للأهالي الذين يواجهون أوامر الهدم والتهجير.
وأكد أن تعزيز صمود السكان في قراهم يمثل الرد العملي على محاولات الاقتلاع التي تستهدف الوجود العربي في النقب.
ودعا العطاونة الجماهير إلى المشاركة في الفعاليات التضامنية المقررة في قرية السر ومنطقة تل عراد، بهدف دعم العائلات المستهدفة وإيصال رسالة واضحة برفض سياسات الهدم والتهجير القسري.
وأشار إلى أن يوم السبت سيشهد فعاليات تضامنية مع أهالي تل عراد، فيما يجري التحضير خلال الأسبوع المقبل لتنظيم مظاهرة أمام ما تسمى "سلطة تطوير البدو"، بمشاركة واسعة من مختلف القوى والفعاليات الشعبية، مؤكدًا أن الحراك الجماهيري سيتواصل في مواجهة مخططات الهدم والاقتلاع والدفاع عن حق الأهالي في الأرض والمسكن والبقاء في قراهم.
وأمام هذا التصعيد، أعلنت لجنة التوجيه العليا لعرب النقب، ومنتدى السلطات المحلية العربية في النقب، والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، عن سلسلة خطوات ميدانية لمواجهة سياسات الهدم والتهجير.
وقررت الجهات المنظمة تأجيل مؤتمر النقب، الذي كان مقرراً عقده يوم السبت 20 حزيران/ يونيو 2026، إلى يوم السبت 4 تموز/ يوليو 2026، وذلك بسبب التطورات الميدانية المتسارعة والحاجة إلى تركيز الجهود على دعم القرى المستهدفة.
كما أعلنت المؤسسات الثلاث اعتبار يوم السبت 20 حزيران/ يونيو 2026 يوماً للتضامن مع تل عراد، حيث ستقام فعالية مركزية في القرية عند الساعة العاشرة صباحاً، دعماً لصمود أبناء عشيرة النباري وتمسكهم بحقهم في الأرض والمسكن والاعتراف بقريتهم.