لم يعد سكان قطاع غزة يسألون أين تبدأ الجبهة، بل أين يبدأ "الخط الأصفر". خطٌ رسمته كتل إسمنتية صفراء، لكنه بالنسبة لآلاف الغزيين ليس مجرد حدود عسكرية، بل مساحة يختفي فيها الفاصل بين الحياة والموت. هناك، يكفي أن يخرج رجل ليملأ جالون ماء، أو أن يقترب مزارع من أرضه، أو أن يحاول طفل جمع الحطب، ليصبح هدفًا لإطلاق النار.
خلال الأشهر الأخيرة، توثقت عشرات القصص التي تشترك في النهاية نفسها: مدنيون خرجوا لأداء أعمال يومية، ولم يعودوا.
كان الممرض محمد موسى الهبيل واحدًا منهم. صعد إلى سطح منزله في حي الشيخ رضوان برفقة نجله موسى لتعبئة المياه، قبل أن تستهدفهما غارة (إسرائيلية)، فيسقط الأب والابن معًا. لم يكن يحمل حقيبة إسعاف هذه المرة، بل وعاء ماء، إلا أن رحلته انتهت كما انتهت رحلات كثيرين ممن وجدوا أنفسهم في مرمى النيران.
وفي مناطق أخرى من شرق غزة وخان يونس، تتكرر الرواية ذاتها. رجال ونساء وأطفال قُتلوا أثناء الاقتراب من منازلهم، أو أثناء جمع الحطب، أو أثناء التنقل في مناطق يقول السكان إن حدودها غير واضحة، بينما تؤكد تقارير دولية أن إطلاق النار بات يتكرر بصورة شبه يومية بالقرب من "الخط الأصفر".
شهادات جنود (إسرائيليين) نشرتها وكالة "أسوشيتد برس" تحدثت عن أوامر ميدانية بإطلاق النار على كل من يقترب من الخط، ووصف بعضهم قواعد الاشتباك بأنها فضفاضة إلى حد جعل الهدنة "مجرد اسم"، فيما قال جيش الاحتلال (الإسرائيلي) إن قواته تستهدف فقط من يقترب بطريقة تُعد تهديدًا لقواته.
وتشير تقارير أممية وصحفية إلى أن المنطقة الواقعة بمحاذاة الخط الأصفر تحولت تدريجيًا إلى مساحة شديدة الخطورة، مع توسع نطاق السيطرة العسكرية (الإسرائيلية) واستمرار سقوط الضحايا المدنيين بالقرب منها. كما وثقت تقارير ارتقاء مئات الفلسطينيين منذ بدء وقف إطلاق النار، كثير منهم في محيط هذا الخط.
لم يعد "الخط الأصفر" مجرد علامة على الخرائط. بالنسبة لسكان غزة، هو المكان الذي تتوقف عنده الحياة الطبيعية؛ حيث تصبح العودة إلى البيت مخاطرة، والبحث عن الماء مغامرة، والاقتراب من الأرض التي عاشوا عليها سنوات طويلة احتمالًا للموت.
وهكذا، لا تُروى مأساة الخط الأصفر بعدد الشهداء فقط، بل بعدد القصص التي انتهت قبل أن تصل إلى نهايتها الطبيعية: ممرض لم يعد من رحلة ماء، مزارع لم يبلغ أرضه، وطفل خرج يجمع الحطب فعاد اسمه إلى قائمة الضحايا. وبين كل قصة وأخرى، يتسع الخط أكثر، وتضيق مساحة الحياة!