على مدار السنوات الماضية، تصاعدت انتقادات مؤسسات حقوقية ونشطاء لأداء أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية المحتلة، وسط اتهامات متكررة بممارسة انتهاكات تمس الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير، والتضييق على المواطنين مقابل غياب حماية المجتمع من هجمات المستوطنين واعتداءاتهم اليومية.
وشملت هذه الانتقادات حملات استدعاء واعتقال بحق معارضين سياسيين ونشطاء وصحفيين على خلفية آرائهم أو نشاطهم الإعلامي، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول واقع الحقوق المدنية ومستوى الالتزام بالمعايير القانونية وحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.
ويرى مواطنون وحقوقيون أن مظاهر التضييق لم تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت إلى التعامل مع الاحتجاجات الشعبية والمطالبات المعيشية، حيث شهدت الضفة الغربية المحتلة خلال السنوات الأخيرة حالات من تفريق فعاليات احتجاجية بالقوة وملاحقة مشاركين فيها.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة والفقر، تتزايد حالة الاحتقان الشعبي نتيجة تداخل الأزمات المعيشية مع الشكاوى المتعلقة بالحريات العامة وسيادة القانون. ويؤكد مراقبون أن استمرار هذه التحديات دون حلول جذرية من شأنه أن يعمق الفجوة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية، ويزيد من الضغوط التي يواجهها المجتمع الفلسطيني في الضفة، بالتزامن مع التحديات الخارجية المرتبطة بالاحتلال والاستيطان والإجراءات الإسرائيلية المستمرة.
وتؤكد منظمات حقوقية إن أجهزة أمن السلطة نفذت خلال فترات مختلفة اعتقالات على خلفيات سياسية أو مرتبطة بحرية الرأي والتعبير، الأمر الذي أثار انتقادات متكررة من مؤسسات المجتمع المدني.
كما شهدت الضفة الغربية المحتلة خلال السنوات الأخيرة احتجاجات شعبية على خلفية أوضاع سياسية واقتصادية، رافقتها اتهامات باستخدام القوة المفرطة في بعض الحالات لتفريق المتظاهرين، من قبل أمن السلطة.
وأصبح ملف الحقوق والحريات أحد أبرز التحديات المطروحة أمام السلطة، خصوصًا مع تنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة للنقد السياسي والتعبير عن الرأي.
الفلتان الأمني
كذلك، عانت العديد من المناطق بالضفة خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في مظاهر الفلتان الأمني، بما في ذلك النزاعات العائلية المسلحة وإطلاق النار في المناسبات والمشاجرات، إضافة إلى تزايد عمليات السطو والجرائم الجنائية في بعض المناطق.
ويشير مراقبون إلى أن قدرة أجهزة أمن السلطة على فرض سيادة القانون تراجعت في بعض المناطق نتيجة عوامل متعددة، من بينها الظروف السياسية المعقدة، والانقسام الفلسطيني الداخلي، والقيود الإسرائيلية المفروضة على حركة وانتشار أجهزة الأمن، خاصة في المناطق المصنفة (ج).
كما ساهم انتشار السلاح غير المرخص في بعض المحافظات في تعقيد المشهد الأمني، ما أدى إلى تصاعد مطالبات شعبية بفرض القانون وتعزيز هيبة المؤسسات القضائية والأمنية.
تزايد الاستيطان
تشهد الضفة زيادة في الاستيطان بطرق غير مسبوقة، حيث صادقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال عام 2025 على بناء أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة.
ويقيم نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي في مئات المستوطنات بالضفة الغربية المحتلة، بينهم 250 ألفا بالقدس المحتلة، ويرتكبون اعتداءات يومية بحق المواطنين بهدف تهجيرهم قسريا.
كما شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين، شملت مهاجمة قرى وإحراق ممتلكات ومركبات والاعتداء على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، خصوصًا خلال مواسم قطف الزيتون.
ويرى مختصون أن هذه الاعتداءات أسهمت في خلق بيئة من عدم الاستقرار والخوف لدى سكان المناطق الريفية، وأثرت بشكل مباشر على النشاط الزراعي الذي يشكل مصدر دخل رئيسيًا لآلاف العائلات الفلسطينية.
تآكل للشرعية
عضو التجمع الوطني الديمقراطي الفلسطيني عمر عساف، أكد أن سلوك السلطة في الضفة الغربية المحتلة خلال السنوات الماضية أدى إلى تآكل شرعيتها بشكل متزايد، مشيراً إلى أن هذا الواقع نتج عن غياب الانتخابات العامة لأكثر من عقدين، وحل المجلس التشريعي، وتركيز الصلاحيات في أيدي فئة محدودة، إلى جانب ما وصفه بتغول الأجهزة الأمنية على حساب الحياة السياسية والمؤسسات الديمقراطية.
وقال عساف في حديثه لـ"الرسالة نت": إن "الضفة الغربية تتطلع إلى الخلاص من نهج الحكم القائم، معتبراً أن المواطنين يعيشون بين معاناة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه المستمرة من جهة، وبين سياسات السلطة التي تمس الحريات العامة وتتدخل في حياة المواطنين وتفاقم مستويات الفساد من جهة أخرى". وأضاف أن الشارع الفلسطيني يتطلع إلى التعبير عن إرادته السياسية من خلال انتخابات حرة تتيح للشعب قول كلمته واختيار ممثليه.
وأشار إلى وجود أعداد كبيرة من المعتقلين السياسيين في سجون السلطة الفلسطينية، مؤكداً أن العديد منهم محتجزون دون توجيه تهم واضحة أو محاكمات عادلة.
كما اعتبر أن التجاوزات والانتهاكات لا تتوقف، وأن القانون لا يحظى بالاحترام الكافي، لافتاً إلى وجود تدخلات في عمل السلطة القضائية بما ينعكس سلباً على مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء.
وفي الشأن الاقتصادي، أوضح عساف أن المواطنين يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة التدهور الاقتصادي المستمر، موضحاً أن أزمة الرواتب وعدم صرفها بانتظام ألقت بظلالها على مختلف فئات المجتمع.
وأضاف أن منع أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين من العمل داخل الأراضي المحتلة أثر بشكل مباشر على مصادر دخل آلاف العائلات، في وقت تشهد فيه الدورة الاقتصادية حالة من التراجع والضعف.
وأكد أن جزءاً كبيراً من الموازنة العامة يذهب إلى القطاع الأمني، في حين تواجه قطاعات أخرى تحديات مالية كبيرة. كما أشار إلى أن مكتب الرئيس يعمل خارج إطار وزارة المالية، ولا يخضع للرقابة المالية بالشكل المطلوب، معتبراً أن ذلك ينعكس على إدارة المال العام ويزيد من تعقيدات الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المواطنون.
وأشار عساف إلى أن الحديث عن الفساد لم يعد مقتصراً على قطاع أو مؤسسة بعينها، بل أصبح مطروحاً في العديد من المجالات، الأمر الذي يسهم، وفق رأيه، في زيادة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين ويجعل حياتهم أكثر صعوبة في ظل الظروف الراهنة.
وفي السياق السياسي، لفت عساف إلى وجود حالة من الإرباك داخل أوساط السلطة وقيادتها، معتبراً أن بعض القرارات والإجراءات التي تم اتخاذها جاءت استجابة لضغوط خارجية، لا سيما من الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأوروبية.
وأوضح أن هذه الضغوط شملت ملفات تتعلق بالمناهج التعليمية وحقوق الأسرى، وهو ما انعكس على طبيعة السياسات التي تنتهجها السلطة في هذه المرحلة.
واعتبر عساف أن القوى المرتبطة بمسار أوسلو تحاول إعادة إنتاج شرعيتها السياسية وتجديد حضورها في المشهد الفلسطيني، من خلال طرح أنظمة وإجراءات جديدة أثارت اعتراضات وانتقادات من مؤسسات المجتمع المدني والعديد من القوى السياسية.
وأضاف أن هناك محاولات لإحداث تغييرات في الواقع السياسي الفلسطيني بهدف المحافظة على موازين القوى القائمة.
وأكد أن غالبية الفلسطينيين تتطلع إلى التغيير وإجراء انتخابات عامة تتيح تجديد الشرعيات السياسية والمؤسساتية، مشيراً إلى أن نتائج استطلاعات الرأي تظهر تراجع مستوى التأييد الشعبي للرئيس الفلسطيني، حيث لا تتجاوز نسبة التأييد له، وفق ما استشهد به من استطلاعات، نحو 12 بالمئة، الأمر الذي يعكس حجم التحديات التي تواجهها السلطة ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.