أكد مدير عام الدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية المكلف في وزارة الاقتصاد بغزة، الدكتور محمد بربخ، أن الوزارة تعمل بشكل يومي على مراقبة الأسواق من خلال فرقها الميدانية، ومتابعة الموردين وحركة السلع الأساسية، بهدف الحد من التجاوزات وضمان توفر المنتجات للمواطنين ضمن الإمكانات المتاحة.
وأوضح بربخ في حوار خاص مع موقع "الرسالة نت" أن الوزارة تجري تحديثاً مستمراً لأسعار السلع وفقاً للتغيرات التي تطرأ على تكاليف الاستيراد والنقل والمخاطر المرتبطة بعملية التوريد، مشيراً إلى إصدار قوائم استرشادية للأسعار بشكل يومي بما يتناسب مع حالة السوق والكميات المتوفرة من البضائع.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت يواجه فيه قطاع غزة أزمة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة نتيجة الحرب المستمرة، والتي أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية الاقتصادية، وتعطل قطاعات الإنتاج والتجارة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
خطة طوارئ
وبيّن بربخ أن الوزارة تعمل حالياً وفق ما يعرف بخطة الطوارئ أو "السيطرة على الميدان"، نظراً لعدم استقرار الأوضاع الراهنة، حيث تركز جهودها على متابعة المستودعات والثلاجات التجارية الخاصة بالموردين والتجار، إلى جانب الرقابة المباشرة على الأسواق للتأكد من جودة السلع والالتزام بالأسعار المعلنة
وأوضح أن فرق الرقابة الاقتصادية تنفذ جولات ميدانية مستمرة على البركسات التجارية ومخازن البضائع في مختلف مناطق القطاع، بهدف رصد أي مخالفات أو حالات استغلال قد تنعكس سلباً على المواطنين الذين يعانون أصلاً من أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة.
وفيما يتعلق بشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار، أوضح بربخ أن الوزارة خصصت خطوطاً ساخنة وأرقام تواصل مباشرة لاستقبال الملاحظات والشكاوى، لافتاً إلى وجود لجان مختصة ومشتركة تضم ممثلين عن وزارة الاقتصاد ووزارة الصحة ومباحث التموين والبلديات، لمتابعة الشكاوى واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.
وبيّن أن ارتفاع الأسعار يشكل عبئاً متزايداً على المواطنين، خاصة في ظل تآكل المدخرات وتراجع مصادر الدخل لدى معظم الأسر الفلسطينية. وقال إن موجات الغلاء والاحتكار التي شهدتها بعض السلع خلال الفترات الماضية استنزفت القدرات المالية للمواطنين، حتى باتت شرائح واسعة غير قادرة على تحمل أي أعباء إضافية.
وتشير تقديرات المؤسسات الاقتصادية إلى أن غالبية سكان القطاع باتوا يعتمدون بصورة أساسية على المساعدات الإنسانية أو مصادر دخل محدودة، في وقت ارتفعت فيه أسعار العديد من السلع الأساسية نتيجة نقص المعروض وارتفاع تكاليف التوريد والنقل.
كميات متذبذبة
وحول حجم البضائع الواردة إلى القطاع، أوضح بربخ أن أعداد الشاحنات الداخلة لا تزال متذبذبة وغير مستقرة، إلا أن المتوسط اليومي لا يتجاوز في معظم الأحيان نحو مئة شاحنة أو أقل، وهو ما يمثل قرابة 30% فقط من الاحتياجات الفعلية لسكان القطاع.
وأشار إلى أن غزة كانت تستقبل قبل الحرب ما بين 420 إلى 600 شاحنة يومياً من البضائع والمواد المختلفة، بينما لا يتجاوز المعدل الحالي ثلث تلك الكميات، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حجم المعروض في الأسواق ومستويات الأسعار.
وأضاف أن الأزمة لا تقتصر على انخفاض أعداد الشاحنات، بل تمتد أيضاً إلى القيود المفروضة على إدخال العديد من السلع والمواد التي يحتاجها السكان بشكل يومي. وأوضح أن هناك مئات الأصناف التي لا يسمح بإدخالها، رغم أنها كانت سابقاً متوفرة بأسعار منخفضة وتشكل جزءاً أساسياً من احتياجات المواطنين.
ولفت إلى أن بعض السلع البسيطة التي كانت تشكل عبئاً مالياً محدوداً على الأسر أصبحت اليوم ذات أهمية كبيرة وتكلفة مرتفعة بسبب ندرتها، ما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين ويؤثر على تفاصيل حياتهم اليومية.
وأكد بربخ أن أي اضطراب في حركة إدخال البضائع ينعكس فوراً على حياة المواطنين، نظراً لاعتماد القطاع بشكل شبه كامل على الواردات القادمة عبر المعابر. وقال إن ما يدخل إلى غزة اليوم يمثل "رمق الحياة" بالنسبة للسكان، سواء على المستوى التجاري أو الإغاثي، حيث تسهم هذه الإمدادات في تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية واستمرار الحياة اليومية.
وأضاف أن أي تأخير أو إرباك في سلاسل التوريد يؤدي إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية إضافية، ويزيد من معاناة المواطنين الذين يواجهون أصلاً ظروفاً إنسانية صعبة، داعياً إلى ضمان استقرار تدفق البضائع وإبقاء المعابر مفتوحة بصورة منتظمة.
وأوضح أن معبر كرم أبو سالم لا يزال المنفذ التجاري الرئيسي الذي يعتمد عليه القطاع في إدخال البضائع، بينما يظل معبر زيكيم شمال القطاع مغلقاً بسبب إجراءات تتعلق بإعادة الترتيب وتركيب أنظمة تفتيش ومراقبة، في حين يبقى معبر كوسيفيم مغلقاً حتى الآن.
ملف الغاز
وفيما يتعلق بأزمة الغاز المنزلي، أكد بربخ أن إدارة هذا الملف تقع ضمن اختصاص هيئة البترول، موضحاً أن دور وزارة الاقتصاد يقتصر على متابعة الأسعار والأوزان والموازين الخاصة بالمحطات والموزعين، بينما لا تتدخل بصورة مباشرة في الجوانب الإدارية والتنفيذية المتعلقة بعملية توزيع الغاز.
وأشار إلى أن الوزارة كانت قد ساهمت في مراحل سابقة بإعداد الأنظمة والبرامج التي تنظم العمل في هذا القطاع، قبل أن تتولى هيئة البترول مسؤولية الإدارة المباشرة للملف.
في المحصلة، فإن استمرار محدودية الواردات وعدم استقرار حركة التوريد يشكلان أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد المحلي، في وقت تتزايد فيه احتياجات السكان مع استمرار الحرب وتراجع الإمكانات الاقتصادية، ما يجعل تأمين تدفق السلع الأساسية عاملاً حاسماً في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية والمعيشية التي يعيشها قطاع غزة.
بربخ لـ "الرسالة نت": نعمل وفق خطة طوارئ ونراقب الأسعار للحد من التجاوزات
الرسالة نت - نور الدين جبر