قائمة الموقع

رغد عدس.. حين تحوّلت رقعة الشطرنج إلى مساحة نجاة في غزة!

2026-06-15T10:03:00+03:00
رغد عدس
الرسالة نت _خاص

 

في غزة، حيث تتزاحم الخيام على أطراف الطرقات وتغدو أخبار القصف والفقد جزءًا من الحياة اليومية، اختارت الشابة الفلسطينية رغد عدس أن تخوض معركة مختلفة.

لم تحمل سلاحًا، ولم تقف على منصة سياسية، بل جلست أمام رقعة شطرنج صغيرة، مؤمنة بأن أربعة وستين مربعًا قد تمنح الأطفال والشباب شيئًا من السلام الذي سلبته الحرب.

رغد، البالغة من العمر تسعة عشر عامًا، لاعبة شطرنج ومدربة معتمدة من الاتحاد الفلسطيني للشطرنج. قبل الحرب كانت توازن بين دراستها في تخصص العلاقات العامة والإعلان وشغفها باللعبة التي رافقتها منذ سنوات. لكن مع اندلاع الحرب وتحوّل حياة الغزيين إلى رحلة يومية من النزوح والخوف، بدأت تفكر في كيفية استخدام موهبتها لخدمة من حولها.

وسط مراكز الإيواء والخيام المزدحمة، لاحظت رغد حجم الضغوط النفسية التي يعيشها الأطفال والشباب. كانت ترى الخوف في عيونهم، والقلق في أحاديثهم، والفراغ الطويل الذي تتركه الحرب في أيامهم. عندها قررت أن تمنحهم نافذة مختلفة يطلون منها على الحياة.

بدأت الفكرة بسيطة جدًا. رقعة شطرنج وبعض القطع وعدد قليل من المهتمين. لكن ما بدأ كلقاء صغير سرعان ما تحول إلى مجتمع كامل يجمع عشاق اللعبة من مختلف الأعمار. 

راحت رغد تنظم لقاءات ودروسًا وتدريبات، وتشرح قواعد اللعبة للأطفال والشباب الذين وجدوا فيها أكثر من مجرد رياضة ذهنية، حيث كانت الشطرنج بالنسبة لهم مساحة مؤقتة للهروب من أصوات الطائرات والانفجارات.

على الرقعة يتعلم اللاعب كيف يفكر بهدوء، وكيف يخطط للمستقبل، وكيف يواجه الخسارة دون أن يستسلم. وهي دروس احتاجها أبناء غزة بشدة في واقع مليء بالفقدان والاضطراب.

ومع مرور الوقت، اتسعت المبادرة لتضم عشرات اللاعبين واللاعبات، ثم تحولت إلى نادٍ ومجتمع للشطرنج يواصل نشاطه رغم كل الظروف الصعبة. لم تعد اللقاءات مجرد منافسات بين اللاعبين، بل أصبحت مساحة للتعارف والدعم النفسي وتبادل الأمل.

تقول رغد إن أكثر ما يمنحها القوة للاستمرار هو رؤية الابتسامة على وجوه المشاركين عندما ينسون للحظات ما يدور خارج الخيمة أو القاعة التي يجتمعون فيها.

ففي مدينة تحاصرها الحرب، تبدو لحظة التركيز في مباراة شطرنج انتصارًا صغيرًا على الخوف.

لم يكن الطريق سهلًا. فالحرب أثرت على الجميع، وفرضت تحديات كبيرة تتعلق بالمكان والإمكانات وتوفير الأدوات. لكن رغد رفضت أن تتوقف. كانت تؤمن أن الإنسان يحتاج إلى ما يغذي روحه بقدر حاجته إلى الطعام والدواء.

واليوم، بينما تستمر غزة في مواجهة ظروفها القاسية، تواصل رغد عدس بناء ما يشبه الملاذ الآمن فوق رقعة شطرنج. هناك، بين الملك والوزير والجنود، يحاول اللاعبون استعادة قدرتهم على التفكير والحلم والتخطيط للمستقبل.

هكذا تحولت لعبة عمرها قرون إلى وسيلة مقاومة حديثة في غزة. مقاومة لا تقوم على القوة، بل على العقل. ولا تبحث عن هزيمة خصم، بل عن حماية ما تبقى من الأمل في نفوس جيل أنهكته الحرب.

في مدينة تتكرر فيها مشاهد الدمار كل يوم، تثبت رغد عدس أن المقاومة قد تبدأ أحيانًا من حركة صغيرة فوق رقعة شطرنج!

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00