حين دخل مناضل انفيعات زنزانة العزل الانفرادي، كان شابًا في الرابعة والعشرين من عمره. واليوم، وبعد ست سنوات من العزلة المتواصلة، لم يعد وجهه يشبه ذلك الشاب الذي غادر بلدته يعبد جنوب غربي جنين، بل بات يحمل ملامح رجل أنهكه العمر، رغم أنه لم يتجاوز الثلاثين.
مناضل، البالغ من العمر 30 عامًا، يقبع في العزل الانفرادي منذ مشاركته في عملية "نفق الحرية" داخل سجن جلبوع عام 2021، في إجراء عقابي تصفه سلطات الاحتلال بأنه مخصص لمن تعتبرهم "خطيرين أمنيًا".
لكن العقوبة لم تتوقف عند سنوات السجن، بل امتدت إلى عزلة طويلة حوّلت الزنزانة إلى عالم مغلق لا يعرف فيه الليل من النهار.
اعتُقل انفيعات عام 2019 بعد اقتحام منزله، وخضع أولًا للاعتقال الإداري مدة ثمانية أشهر، ثم صدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات ونصف. وبعد حادثة نفق الحرية، أضيف إلى محكوميته حكم جديد بالسجن خمس سنوات أخرى.
وداخل الزنزانة، تقاس الساعات بما تتركه من آثار على الجسد. فالشاب الذي كان يتمتع بصحة جيدة، أصبح يعاني من آلام في القدمين، ومشكلات في الجهاز التنفسي، وآلام حادة في الأمعاء، إضافة إلى الدوخة والخدران. ويزيد الضوء المشتعل على مدار الساعة، والطعام الشحيح، وانقطاع المياه داخل الحمام، من معاناته اليومية.
وخلال سنوات عزله، فقد مناضل نحو 35 كيلوغرامًا من وزنه، بينها 20 كيلوغرامًا خلال عام 2023 وحده، حتى بات جسده النحيل وأنفاسه المتقطعة يوحيان بأنه رجل في الستين من عمره، لا شاب في مقتبل الثلاثين.
ومؤخرًا، تمكّن محاميه من زيارته للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب على غزة، في زيارة لم تتجاوز خمس عشرة دقيقة. كانت كافية ليصف الأسير حياته بكلمات قليلة لكنها موجعة: "أنا أعيش في قبر."
خلال اللقاء، بدا وجهه شاحبًا ومنهكًا، واضطر إلى استخدام بخاخة طبية ثلاث مرات بسبب صعوبة التنفس. ورغم تدهور حالته الصحية، لا يزال الاحتلال يرفض الإفراج عنه، متمسكًا بما يصفه محاموه بـ"الذرائع الأمنية".
وتزداد معاناة العائلة مع استمرار اعتقال شقيقه نضال منذ ثلاثة أعوام.
ست سنوات من العزل لم تحرم مناضل من حريته فحسب، بل سلبت منه شبابه وصحته، وحولت الزنزانة الانفرادية إلى مساحة يذبل فيها الجسد ببطء. وبين جدرانها الصامتة، يواصل الأسير الفلسطيني معركته اليومية، في انتظار نافذة ضوء لا تبقى مضاءة لإرهاقه، بل تفتح له باب الحرية.