لم يكن معبر رفح البري يوماً مجرد ممر حدودي عادي بالنسبة لسكان قطاع غزة، بل هو شريان الحياة الوحيد المتبقي لربطهم بالعالم الخارجي، خاصة في ظل تدمير البنية التحتية للمنظومة الصحية الفلسطينية. إلا أنه وتحت مظلة الاحتلال الإسرائيلي وسياسات الخنق الممنهجة، وبخاصة بعد سيطرة الاحتلال عليه خلال العدوان على غزة، تحوَّل هذا الممر إلى أداة ابتزاز سياسي وورقة ضغط إنسانية؛ حيث يواصل الاحتلال تنصله من كافة التزاماته واستحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ضارباً عرض الحائط بكل المواثيق الدولية.
وفي بيان حديث ومؤثر لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة، كشفت الوزارة عن أرقام تعكس حجم المأساة التي يعيشها المرضى والجرحى جراء القيود الصارمة المفروضة على المعبر، مشيرة إلى أن "840 مريضاً فقط" سُمح لهم بالسفر منذ بدء سريان اتفاق الهدنة وتطبيق تفاهماتها الإنسانية.
هذا الرقم الضئيل يأتي كشاهد مباشر على تنصل الاحتلال من التزاماته بتسهيل حركة مغادرة الحالات الحرجة -كاستحقاق وأحد بنود الاتفاق-، وهو ما يزيد من تعقيدات الحالة الصحية للمرضى ويقودهم نحو موت بطيء. ووفقاً للوزارة، فقد تعمد الاحتلال تقليص أعداد المرضى المسموح لهم بالسفر؛ فبعد أن كان يخرج "150 مريضاً يومياً"، بمعدل ثلاثة أيام أسبوعياً، جرى خفض هذا العدد قسراً منذ عدة أسابيع ليصل إلى "90 مريضاً فقط" مع مرافقيهم، وهو ما حرم المئات من فرصة نيل العلاج العاجل.
وتؤكد وزارة الصحة بغزة، في أحاديث كوادرها وأطبائها، أن أزمة التحويلات الطبية تفاقمت بشكل غير مسبوق؛ حيث أُضيفت "400 تحويلة طبية جديدة" مؤخراً إلى قائمة الانتظار الطويلة، والتي تجاوزت في مجموعها "الـ20 ألف حالة" بحاجة ماسة لعلاجات غير متوفرة أصلًا داخل القطاع المحاصر، الذي دُمِّرت غالبية منشآته الصحية، مع منع دخول عشرات أصناف الأدوية والمستهلكات الطبية عن أكثر من مليوني إنسان.
إن المعاناة في سفر مرضى غزة متعددة الأشكال ومتنوعة الصور، فهي لا تتوقف عند إدراج الأسماء، بل تمتد إلى ما يسمى بـ "الموافقات الأمنية" التي يتخذها الاحتلال ذريعة للمماطلة، وتُشير البيانات في هذا الصدد إلى:
- تأخر وصول الموافقات الأمنية من قبل سلطات الاحتلال للكثير من الحالات المسجلة للسفر منذ "أكثر من شهرين".
- الإغلاق المتكرر للمعبر من قبل الاحتلال وعلى فترات زمنية متقاربة، وهو ما يؤدي إلى تعطيل كافة إجراءات سفر المرضى والجرحى الذين قد لا تسعفهم الساعات، ناهيك عن الأسابيع.
وتؤكد التصريحات السياسية والحقوقية المرتبطة بملف المعابر، باستمرار وبشكل متكرر، أن الكيان الإسرائيلي يتعمد إفراغ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونها الإنساني؛ فبدلاً من أن يكون المعبر ساحة لتسهيل الإغاثة للمنكوبين والعلاج للجرحى والمرضى، أضحى تحت السيطرة الأمنية غير المباشرة (والتفتيش والتعطيل الممنهج) أداة لتكريس الحصار.
إن هذا السلوك الإسرائيلي يمثل ضرباً بعرض الحائط لكافة المعاهدات الدولية، وعلى رأسها "اتفاقية جنيف الرابعة" والمبادئ الإنسانية العالمية التي تكفل لكل إنسان الحق في العلاج وحرية الحركة والتنقل؛ فالاحتلال يتعامل مع الأجساد المنهكة والجروح المفتوحة لأطفال غزة ونسائها كأوراق تفاوضية وضغط سياسي، في ظل غياب الرقابة الدولية الفاعلة، والضغط الحقيقي من قبل الوسطاء والضامنين للاتفاق.
وأمام هذا المشهد القاتم، لا يمكن قراءة الواقع في قطاع غزة إلا كقنبلة موقوتة أوشكت على الانفجار، كما أن استمرار الوسطاء والمجتمع الدولي في إدارة الظهر للاحتياجات الإنسانية الملحة لأهالي غزة، والقبول بـ "الفتات" الإنساني الذي يسمح الاحتلال الإسرائيلي بمروره بشق الأنفس، لن يؤدي إلا إلى حالة من اليأس العام الذي يسبق العاصفة.
إن أهالي غزة، الذين تحملوا آلة الحرب والدمار -ولا يزالون-، لن يقبلوا بالموت الصامت على أعتاب معبر مغلق برغبة إسرائيلية وتواطؤ دولي؛ فالتحذيرات الصادرة اليوم من القطاع الصحي والإنساني في غزة والمؤسسات الحقوقية ليست مجرد استغاثة، بل هي إنذار أخير لكل الأطراف: إن استمرار خنق غزة طبّياً وإنسانياً، وترك فتح المعابر لمزاجية الاحتلال، سيقود حتماً إلى انفجار شعبي وإنساني لن تتوقف تداعياته عند حدود القطاع.