لم تُصب الشظايا جسد السيدة ريهام حرز الله بشكل مباشر، لكنها خرجت من ذلك اليوم وهي تحمل إصابةً لم تظهر على الجلد، بل استقرت في الأعصاب.
في إحدى الغارات العنيفة على قطاع غزة، كانت تقف على مقربة من مكان القصف. خلال ثوانٍ، تناثرت أشلاء الشهداء حولها، وسقط بعضها على جسدها. لم تدرك ما حدث إلا بعدما خيّم الصمت، لكن المشهد ظل يتكرر في ذاكرتها كلما أغمضت عينيها.
نجت من القصف، لكن الخوف لم يغادرها.
في الأيام التالية بدأت حرز الله تلاحظ عرجًا خفيفًا في قدمها، ظنت أنه إرهاق أو أثر نفسي عابر. غير أن العرج ازداد، ثم بدأت أطرافها تضعف شيئًا فشيئًا، حتى أصبح الوقوف مهمة شاقة، قبل أن تجد نفسها حبيسة كرسي متحرك.
بعد سلسلة من الفحوصات، شخّص الأطباء حالتها بمرض التصلب اللويحي المتعدد (MS)، وهو مرض مناعي ذاتي يهاجم الجهاز العصبي المركزي. ورغم أن السبب الدقيق للمرض غير معروف علميًا، فإن الضغوط النفسية الشديدة والصدمات العنيفة قد تُحفّز ظهور الأعراض أو تؤدي إلى تفاقمها لدى بعض المرضى.
منذ ذلك اليوم، لم تعد معركتها مع المرض فقط، بل مع ذكريات لا تتوقف عن ملاحقتها. فكلما استحضرت مشهد الأشلاء والدماء، شعرت وكأن جسدها يفقد جزءًا جديدًا من قدرته على الحركة.
وتواجه اليوم معاناة مضاعفة، إذ تحتاج إلى أدوية وعلاجات باهظة الثمن تتطلب متابعة مستمرة، بينما تعاني مستشفيات قطاع غزة من نقص حاد في الأدوية والتجهيزات الطبية نتيجة الدمار الكبير الذي خلّفته الحرب، ما يجعل حصول مرضى الأمراض المزمنة والمناعية على العلاج المنتظم أمرًا بالغ الصعوبة.
قصتها تختصر مأساة آلاف الفلسطينيين الذين نجوا من القصف، لكنهم لم ينجوا من آثاره النفسية والجسدية. ففي غزة، لا تنتهي الحرب عند توقف الانفجار، بل قد تبدأ بعدها رحلة طويلة من الألم، حين يتحول الخوف إلى مرض، وتصبح الذكريات جرحًا لا يندمل.
ومرضى التصلب اللويحي والأمراض المناعية في غزة يواجهون نقصًا متكررًا في الأدوية المتخصصة، وتعطلًا في خدمات المتابعة والتأهيل، في وقت يحتاج فيه المرض إلى علاج منتظم لمنع الانتكاسات والحد من تطور الإعاقة.
ومع استمرار تدهور الواقع الصحي، تتحول الإصابة إلى عبء مضاعف، إذ لا يواجه المرضى مرضهم وحده، بل يواجهون أيضًا نظامًا صحيًا عاجزًا عن توفير الحد الأدنى من الرعاية. وبين ذكريات الحرب التي لا تغادر الذاكرة، وغياب العلاج الذي قد يخفف من وطأة المرض، يبقى الخوف في غزة قادرًا على الاستمرار طويلًا، حتى بعدما يصمت صوت القصف.
حين تسلّل الرعب إلى أعصابها .. امرأة من غزة يهزمها الخوف أكثر من الشظايا
الرسالة نت - خاص