قائمة الموقع

حين يعود الأسير بلا ذاكرة.. ماذا فعل التعذيب بالأسرى داخل سجون الاحتلال؟

2026-06-13T10:40:00+03:00
حين يعود الأسير بلا ذاكرة.. ماذا فعل التعذيب بالأسرى داخل سجون الاحتلال؟
الرسالة نت - خاص

 

لم تكن أم أنس مشعل تنتظر معجزة يوم عاد ابنها من الأسر. كانت تريد فقط أن تراه واقفًا أمامها، أن تسمع صوته، وأن تتأكد أنه ما زال على قيد الحياة.

لكن ما عاد إليها لم يكن الشاب ذاته الذي غادر منزلهم قبل أشهر، بل إنسانًا أثقلته التجربة إلى حد بدا معه وكأنه عاد من مكان أبعد من السجن نفسه.

اعتُقل أنس في مايو/أيار 2025، وحسب ما قالته والدته، فإنه تعرض لضرب شديد على رأسه مرات عدة، ما أدى إلى فقدانه الذاكرة لأسبوع كامل قبل الإفراج عنه. وبعد ذلك بدأ يستعيد جزءًا من ذكرياته بصورة تدريجية، إلا أن ما عاد إليه خلال خمسة أشهر لم يتجاوز ذكريات بسيطة ومتفرقة.

هنا لا تنتهي معاناة الأسرى عند بوابات الإفراج. فبعضهم يخرج حاملًا آثار التعذيب على جسده، وبعضهم يخرج مثقلًا بذاكرة موجوعة، بينما يعود آخرون وقد فقدوا أجزاءً من ذاكرتهم أو قدرتهم على التعرف إلى من يحبون.

عندما أُفرج عن الأسير معزز عبيّات، لم يكن المشهد الذي انتظرته عائلته. وقف والده أمامه، لكن الابن لم يعرفه. اقتربت والدته، فلم يتعرف إليها أيضًا. أما أطفاله الذين طالما حلم بلقائهم، فقد كانوا غرباء في عينيه. لم يكن الأمر غيابًا عابرًا للتركيز أو إرهاقًا ناتجًا عن الاعتقال، بل صدمة قاسية جعلت العائلة تشعر أنها استقبلت ابنها وعجزت، في الوقت نفسه، عن استعادته.

يروي أفراد أسرته أن آثار التعذيب وسوء المعاملة كانت واضحة على جسده ونفسيته، وأن الذاكرة التي حملت وجوه العائلة وسنوات العمر بدت وكأنها مُزقت داخل الزنازين.

ولم تكن هذه الحكاية الوحيدة.

ففي غزة، استقبل الأطباء أحد المعتقلين المفرج عنهم من دون أن يعرفوا اسمه. لم يكن الرجل قادرًا على إخبارهم من يكون، أو أين يسكن، أو كيف يمكن الوصول إلى عائلته. وقف أمامهم حاملًا جسدًا يحمل آثار التعذيب، وعقلًا عاجزًا عن استعادة أبسط المعلومات عن حياته. يومها تحولت المستشفيات ووسائل الإعلام إلى مساحة بحث عن هوية رجل فقد ذاكرته قبل أن يستعيد حريته.

ولم ينجُ الأسير المحرر منصور الشحاتيت من آثار الأسر رغم خروجه إلى الحرية. فبعد سبعة عشر عامًا قضاها داخل السجون، بينها فترات طويلة من العزل الانفرادي والظروف القاسية، ظهر الشحاتيت في حالة صحية ونفسية صعبة أثارت صدمة واسعة بين الفلسطينيين. وتحدثت عائلته ومؤسسات الأسرى عن تراجع ملحوظ في قدراته الإدراكية والنفسية، وعن آثار عميقة تركتها سنوات الحرمان والعزل.

تعكس هذه القصص وجهًا آخر من آثار الاعتقال والتعذيب. فالأذى لا يتوقف عند الكسور والجروح الظاهرة، بل يمتد إلى العقل والذاكرة والقدرة على التذكر والتواصل مع المحيط. وحين يفقد الإنسان ذاكرته، يصبح الفقد مضاعفًا؛ إذ لا يخسر سنوات من عمره فحسب، بل قد يخسر أيضًا القدرة على استعادة من يحبهم أو التعرف إليهم.

وفي كثير من الأحيان، يكون الجواب الأكثر قسوة أن الحرية عادت، لكن شيئًا من الإنسان بقي هناك، خلف الجدران والأسلاك، حيث لا تزال الذاكرة أسيرة.

وتأتي هذه القصص ضمن واقع أوسع وثقته مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية. فبحسب بيانات نادي الأسير الفلسطيني وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، تجاوز عدد حالات الاعتقال منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما وثقت المؤسسات الحقوقية شهادات متزايدة عن التعذيب الشديد والحرمان من النوم والعزل والانتهاكات الجسدية والنفسية داخل مراكز الاحتجاز.

كما أفادت تقارير حقوقية بوفاة عشرات المعتقلين داخل السجون ومراكز الاحتجاز خلال هذه الفترة، في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية.

وتؤكد تقارير طبية ونفسية أن التعذيب والصدمات العنيفة قد تخلّف آثارًا طويلة الأمد على الدماغ والذاكرة والقدرات الإدراكية، وهو ما يجعل قصص الأسرى الذين عادوا عاجزين عن التعرف إلى ذويهم أو استعادة ذكرياتهم شواهد إنسانية على جراح لا تنتهي عند لحظة الإفراج، بل قد تستمر سنوات داخل العقل والروح.

اخبار ذات صلة