حين تتحدث الطفلة إيلين رحيم ، ذات الأعوام التسعة، لا تبدأ الحديث عن نفسها، ولا عن ألعابها المفضلة، ولا عن المدرسة التي يفترض أن تكون جزءًا من يومها. تتحدث أولًا عن إخوتها الثلاثة، وكأن طفولتها غادرتها مبكرًا تحت وطأة الإبادة في قطاع غزة لتترك مكانها لأم صغيرة تحمل همّ أسرة كاملة.
تخرج إيلين مع ساعات الصباح الأولى بحثًا عن الحطب. تجمع ما تستطيع حمله من بين الركام والأماكن الخطرة، ثم تبيعه لتؤمن بعض المال. وحين تعود، تشعل النار لتعد ما تيسر من الطعام لإخوتها الصغار. وبعدها تركض إلى التكية علّها تحصل على وجبة تسد جوعهم ليوم آخر.
لا تتحدث إيلين عن أحلامها الخاصة. وحين تُسأل عما تتمنى، تبدأ بسرد أحلام إخوتها. أحدهم يحلم بقطعة حلوى، وآخر يتمنى تناول اللحم، وثالث يقف طويلًا أمام بسطات الفاكهة متأملًا ما لا يستطيع الوصول إليه.
تقول بصوت طفولي بسيط: "إخوتي أهم شيء في حياتي".
في كلماتها القليلة تختصر الطفلة حياة كاملة من المسؤولية. فالأحلام التي تتحدث عنها ليست أحلامها، بل أحلام إخوتها. أما هي، فقد بدت وكأنها وضعت أحلامها جانبًا منذ اللحظة التي فقدت فيها والدها الشهيد.
كبرت إيلين بسرعة أكبر من عمرها. أصبحت المعيل الرئيسي لأسرتها الصغيرة، رغم أن أكبر إخوتها لا يتجاوز السادسة من العمر، بينما لم يتعد أصغرهم أربعة أشهر فقط.
والدتها تؤكد أن اعتمادها الأكبر بات على طفلتها. تقول إن إيلين تحمل أعباء تفوق قدرتها، لكنها تحاول أن تسد الفراغ الذي تركه استشهاد والدها، في وقت لا تجد فيه الأسرة من يسأل عنها أو يتكفل بأطفالها الأيتام.
في مدينة امتلأت بالأيتام والثكالى، تبدو قصة إيلين واحدة من أكثر القصص قسوة. فلم يكن متخيلًا قبل الحرب أن تتحول طفلة في التاسعة من عمرها إلى معيلة لأسرة كاملة، وأن يصبح همها اليومي تأمين الحطب والطعام بدل اللعب والدراسة.
لكن في غزة، حيث غيرت الحرب ملامح الحياة كلها، لم تعد الأعمار معيارًا للمسؤولية، ولم تعد الطفولة كافية لتحمي أصحابها من الجوع أو الفقد.
هناك، في أحد مخيمات النزوح، تمضي إيلين أيامها وهي تحاول حماية إخوتها من شبح الجوع. تحمل الحطب بيديها الصغيرتين، وتبحث عن الطعام، وتمنح إخوتها ما تبقى من طفولتها، بينما تكبر هي كل يوم أكثر مما ينبغي.
إنها طفلة في التاسعة من عمرها، لكن الحرب جعلتها أمًا ومعيلة وحارسة لأحلام ثلاثة أطفال صغار، لم يعد لديهم بعد والدهم سوى إيلين.
وقد خلّفت الحرب في قطاع غزة واحدة من أكبر أزمات اليُتم في العصر الحديث، إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 85 ألف طفل يتيم، بينهم 27 ألف طفل فقدوا والديهم معاً، ليجدوا أنفسهم في مواجهة الحياة دون سند أو رعاية أسرية.