في مدينة اعتادت أن تُحصي خسائرها بالأرقام، اختارت الرسامة الفلسطينية نداء مهنا أن توثقها بالألوان.
لم تكن مهنا تتخيل أن يأتي يوم تفقد فيه منزلها ومتجرها وكل ما بنتْه خلال سنوات من التعب والعمل. لكن الحرب لم تترك لها سوى الذكريات وبعض الأدوات التي نجت من الركام، فكان عليها أن تبحث عن طريقة جديدة للتمسك بالحياة. فوجدت ضالتها في الرسم.
بين أصوات القصف وأخبار الفقدان والنزوح، كانت تجلس أمام لوحتها محاولة أن تجمع ما تناثر من تفاصيل حياتها. لم تعد الألوان بالنسبة لها مجرد هواية أو موهبة، بل أصبحت وسيلة للنجاة النفسية ومتنفسًا وحيدًا في واقع يضيق يومًا بعد يوم.
تقول إن الرسم ساعدها على تجاوز كثير من الأوقات الصعبة التي عاشتها خلال الحرب، وأن اللوحة كانت المكان الوحيد الذي تستطيع أن تستعيد فيه شيئًا من الهدوء وسط الفوضى المحيطة بها.
في أعمالها الفنية، لا ترسم نداء المشاهد كما تراها العين فقط، بل كما تشعر بها الروح. تظهر في لوحاتها ملامح البيوت المهدمة، والوجوه المتعبة، والأمهات المنتظرات، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم. وتحضر غزة في كل زاوية من زوايا أعمالها؛ مدينة جريحة لكنها ترفض الاستسلام.
لم يكن فقدان المنزل والمتجر مجرد خسارة مادية بالنسبة لها، بل كان اقتلاعًا لجزء من الذاكرة الشخصية. ومع ذلك، رفضت أن تسمح للحرب بأن تسلبها موهبتها أيضًا. فكل لوحة جديدة كانت بمثابة إعلان صغير عن استمرار الحياة، وكل لون تضيفه على القماش كان محاولة لترميم شيء من الخراب الذي خلفته الحرب.
تؤمن نداء بأن الفن ليس ترفًا في أوقات الأزمات، بل ضرورة إنسانية. فحين تعجز الكلمات عن وصف الألم، تستطيع لوحة واحدة أن تنقل حكاية كاملة. ولهذا تحرص على أن تحمل أعمالها رسائل إنسانية تعكس معاناة الفلسطينيين وصمودهم في الوقت ذاته.
اليوم، وبينما لا تزال غزة تعيش آثار الحرب الثقيلة، تواصل نداء مهنا الرسم. لا تبحث فقط عن إنتاج عمل فني جميل، بل عن حفظ ذاكرة مدينة كاملة من النسيان. ففي كل لوحة ترسمها، هناك بيت يعود للحياة، ووجه يستعيد حكايته، وذكرى ترفض أن تُدفن تحت الركام.
هكذا تحولت موهبة نداء مهنا من هواية شخصية إلى شهادة بصرية على زمن قاسٍ، ومن ألوان على قماش إلى رسالة أمل تقول إن الإنسان قد يخسر الكثير، لكنه يستطيع أن يحافظ على روحه ما دام قادرًا على الإبداع.
نداء مهنا.. حين تحوّلت اللوحة إلى بيتٍ بديل في غزة!
الرسالة نت - خاص