لم يعد الطفل جاد يوسف أبو سليمان إلى خيمته ذلك اليوم، ولم تصل قدماه الصغيرتان إلى والده الذي كان ينتظره كما في كل مرة. وحدها حقيبته المدرسية عادت، محمولة بين يدي أبٍ مكسور ظل يقلب دفاتره وأقلامه ويحدق فيها وكأنه يبحث عن إجابة لسؤال لن يجد له جواباً.
وقف الأب يوسف أبو سليمان، المعروف بين جيرانه بـ"أبو المجد"، يحتضن حقيبة ابنه الشهيد ويبكي بحرقة، مردداً: "هل هذه كانت أسلحة؟ هل هذه الأقلام أخافتكم فقتلتم ابني؟ لماذا يموت ابني وهو لم يُكمل ثماني سنوات؟".
كان جاد واحداً من آلاف أطفال غزة الذين يحاولون انتزاع حقهم في التعليم وسط الحرب والنزوح. وفي ظهر ذلك اليوم، توجه الطفل إلى نقطة تعليمية أقيمت قرب مخيم النازحين في منطقة ساحة أنور عزيز بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، حاملاً حقيبته الصغيرة وأحلامه البسيطة. لكن رحلة العودة تحولت إلى رحلة أخيرة.
وبحسب شهود من المنطقة، استهدفت طائرة إسرائيلية ساحة أنور عزيز القريبة من مستشفى اليمن السعيد بصاروخين وقت الظهيرة، وهي منطقة مكتظة بالبسطات التجارية والباعة والنازحين. وأسفر القصف عن استشهاد عدد من المواطنين، بينهم أطفال، وإصابة أكثر من ستة عشر شخصاً، غالبيتهم من الأطفال، بعضهم بجروح خطيرة.
كان جاد عائداً من الخيمة التعليمية إلى خيمة أسرته عندما صادف وجوده في مكان سقوط الصاروخ. لم يكن يحمل سوى دفاتره وأقلامه. استشهد على الفور قبل أن يتمكن من الوصول إلى والده أو إكمال يومه الدراسي.
ويقول أقارب العائلة إن جاد هو الابن الأصغر في الأسرة، وله أشقاء بينهم شقيقه الأكبر مجد. أما والده يوسف فيعمل منذ سنوات في مهنة بسيطة مرتبطة بالأعمال الكهربائية الخفيفة وإصلاح بعض الأدوات، وقد أقام بسطة متواضعة ليؤمن قوت أسرته في ظل انهيار فرص العمل وانعدام الكهرباء في معظم مناطق القطاع.
لكن مصدر رزقه المحدود لم يكن أكبر همومه بعد القصف؛ فقد وجد نفسه فجأة أمام حقيبة صغيرة وصمت ثقيل وطفل لن يعود.
ولم تتوقف المأساة عند استشهاد جاد. فالقصف ذاته خلّف إصابات خطيرة بين سكان المنطقة، من بينهم طفل في نحو الثانية عشرة من عمره أُصيب بإعاقة حركية خطيرة أثناء وجوده في إحدى البسطات التجارية، إضافة إلى عامل يشرف على توزيع المياه في جباليا وصفت حالته بالحرجة، إلى جانب عدد كبير من الأطفال والجرحى.
في غزة، لم تعد الحقيبة المدرسية رمزاً لبداية يوم دراسي جديد، بل أصبحت في كثير من الأحيان آخر ما يتبقى من الأطفال. وبين دفاتر جاد وأقلامه المبعثرة، يقف والده حائراً أمام سؤال يختصر مأساة غزة كلها: كيف يمكن لطفل خرج ليتعلم أن يعود شهيداً؟
رحل جاد يوسف أبو سليمان قبل أن يكمل عامه الثامن، لكن حقيبته الصغيرة بقيت شاهدة على قصة طفل لم يحمل سوى كتبه، فكان نصيبه أن يصبح رقماً جديداً في سجل أطفال غزة الذين انقطعت أحلامهم قبل أن تبدأ.
حقيبة جاد أبو سليمان التي عادت وحدها.. طفل في الثامنة قتله الاحتلال وهو عائد من خيمته التعليمية
الرسالة نت- متابعة خاصة