في بقايا بيت العائلة شبه المدمر في مخيم تل الزعتر، شمال قطاع غزة كانت الطالبة ميس شحدة العالول تحاول أن تحفظ أسماء العضلات والعظام في مكان نزوحها، بينما كانت طائرات الاحتلال الحربية تحفظ أسماء الأحياء التي ستقصفها بعد قليل.
لم تكن تملك غرفة هادئة للدراسة، ولا مكتبًا جامعيًا، ولا حتى بيتًا ثابتًا تعود إليه كل مساء. كانت فقط تحمل هاتفًا متعبًا، ودفاتر قليلة نجت من النزوح، وتحاول أن تتشبث بحلمها القديم: أن تصبح طبيبة.
قبل الحرب، كانت حياة ميس تشبه حياة آلاف الطالبات الفلسطينيات. تستيقظ باكرًا، تذهب إلى الجامعة، تدرس الطب، وتخطط لمستقبل طويل مليء بالمعاطف البيضاء والممرات المعقمة وأسماء الأدوية. لكن الحرب قلبت كل شيء دفعة واحدة، وحولت الطريق إلى الجامعة إلى رحلة هروب يومية من الموت.
في شهادتها التي حملت عنوان "من رهينة إلى طبيبة"، روت ميس كيف حاولت الجامعات في القطاع استئناف التعليم إلكترونيًا في مايو/ أيار 2024، بينما كان الطلاب موزعين بين الخيام ومراكز النزوح والبيوت المهدمة.
كتبت: "لم أكن أجلس خلف طاولة دراسة، بل كنت رهينة بين الركام وأمام فوهة دبابة."
كانت هذه الجملة كافية لتلخص عامًا كاملًا من الرعب.
لم تكن الحرب بالنسبة لميس مجرد أصوات انفجارات بعيدة، بل حياة كاملة تنهار أمام عينيها. تنقلت مع عائلتها من مكان إلى آخر هربًا من القصف، تحمل حقيبة صغيرة فيها بعض الملابس ودفاتر الجامعة، بينما كانت الطرقات تمتلئ بالنازحين والجائعين والوجوه المصدومة.
في إحدى مرات النزوح، جلست داخل خيمة تحاول متابعة محاضرة تشريح عبر إنترنت ضعيف ومتقطع. كانت أصوات الطائرات أعلى من صوت المحاضر، والغبار يتساقط فوق شاشة الهاتف، لكنها بقيت تكتب الملاحظات كأنها تقاوم اختفاء حياتها القديمة.
كانت تعرف أن الحرب لا تقتل الناس فقط، بل تقتل النسخة التي كانوا يريدون أن يصبحوها.
ومثل كثير من أبناء غزة، لم تكن ميس بعيدة عن الفقد الشخصي. حيث ارتبط اسم عائلتها بإحدى المجازر المؤلمة التي شهدها مخيم المغازي وسط القطاع، حين استهدفت غارة (إسرائيلية) منزل العائلة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، ما أدى إلى استشهاد عدد كبير من أفراد الأسرة، بينهم أطفال ونساء.
بعد المجزرة، لم يعد الحزن حدثًا عابرًا داخل العائلة، بل صار جزءًا يوميًا من الحياة. أسماء الشهداء تحولت إلى أحاديث دائمة، وصورهم بقيت معلقة داخل الهواتف وعلى جدران الخيام المؤقتة.
وفي غزة، حتى الدراسة نفسها أصبحت معركة إضافية.
الكهرباء شبه معدومة، الإنترنت هش، الجامعات مدمرة، والطلاب موزعون بين النزوح والجوع والبحث عن المياه. كثيرون توقفوا عن التعليم نهائيًا، وآخرون حاولوا الاستمرار فقط كي يشعروا أن الحرب لم تنتصر بالكامل.
ميس كانت واحدة من هؤلاء. لم تكن تدرس لأنها تملك ظروفًا مناسبة، بل لأنها كانت تخاف أن تخسر نفسها إن توقفت.
في نصوصها، لم تكتب عن الطب بوصفه مهنة فقط، بل بوصفه محاولة للتمسك بالحياة وسط كل هذا الموت. كانت ترى في المعطف الأبيض شكلًا من أشكال النجاة الشخصية، وفي الدراسة مقاومة صامتة للحرب التي تحاول تحويل الجميع إلى أرقام.
وفي شهادات أخرى لعائلة العالول، تحدثت الباحثة الفلسطينية إسلام العالول عن الظروف القاسية التي عاشتها النساء خلال الحرب؛ من النزوح المستمر إلى انعدام الطعام والمياه النظيفة وانتشار الأمراض داخل الخيام، مؤكدة أن النساء في غزة لم يعدن يفكرن في المستقبل بقدر ما يفكرن في كيفية النجاة من اليوم التالي.
هذه البيئة نفسها كانت ميس تحاول أن تدرس داخلها.
خيمة مكتظة، خوف دائم، فقدان متكرر، وجوع يضغط على الجسد والعقل معًا. ومع ذلك، كانت تفتح محاضراتها كلما استطاعت.
في غزة، لا تبدو قصة ميس استثناءً كاملًا، لكنها واحدة من أكثر القصص التي تكشف كيف سرقت الحرب الحياة الطبيعية من جيل كامل. فبينما يذهب طلاب الطب حول العالم إلى جامعاتهم ويحضرون تدريباتهم داخل المستشفيات، كانت ميس تبحث عن زاوية هادئة قرب خيمة ممزقة لتراجع درسًا عن إنقاذ الأرواح.
وربما لهذا تبدو قصتها مؤلمة إلى هذا الحد: لأنها لم تكن تحاول أن تصبح بطلة، بل فقط طالبة عادية تريد أن تكمل حياتها. لكن في غزة، حتى الأحلام البسيطة تحتاج إلى معجزة!