في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الدولية من الانهيار الإنساني والأمني في قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي استهداف عناصر الشرطة والمؤسسات المدنية المكلفة بحفظ النظام العام، في سياسة تقول مؤسسات حقوقية وأممية إنها تسهم بشكل مباشر في تفكيك البنية المدنية للقطاع ونشر الفوضى بين السكان.
وجاء الاستهداف الأخير لنقطة شرطة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، والذي أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، ليعيد إلى الواجهة ملف الهجمات المتكررة على الأجهزة الشرطية والمدنية، وسط اتهامات متزايدة للاحتلال بانتهاج سياسة ممنهجة تستهدف تقويض مؤسسات الحكم المدني وإضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على إدارة شؤونه الداخلية.
ولا يقتصر الجدل حول هذه الهجمات على بعدها الأمني، بل يمتد إلى أبعاد قانونية وإنسانية أوسع، خاصة مع تزايد المواقف الدولية التي تؤكد أن أفراد الشرطة المدنيين يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني ما لم يشاركوا بصورة مباشرة في الأعمال القتالية.
إدانة أممية متصاعدة
في أحدث مواقفه، أدان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة الاستهداف المتكرر لعناصر الشرطة في قطاع غزة، مؤكداً أن تفكيك المؤسسات العامة أدى إلى حالة من الفوضى ذات تأثير مدمر على المدنيين.
ووفقاً للمكتب، جرى توثيق ما لا يقل عن 12 هجوماً استهدفت عناصر الشرطة منذ مطلع العام الحالي، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 53 مدنياً، بينهم 35 من أفراد الشرطة وخمسة أطفال وامرأة.
وأشار المكتب إلى أن العديد من هذه الهجمات وقعت أثناء قيام أفراد الشرطة بمهامهم الاعتيادية المتعلقة بتنظيم حركة المرور، وتأمين الأسواق، وحماية الممتلكات العامة، وتسهيل حركة المواطنين، وهي مهام مدنية لا تجعلهم أهدافاً مشروعة للهجمات العسكرية وفقاً للقانون الدولي.
وأكد المكتب أن استهداف أفراد الشرطة لمجرد أدائهم لمهام إنفاذ القانون يمثل انتهاكاً واضحاً لمبدأ التمييز المنصوص عليه في القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب.
وقال مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة آجيت سنغاي إن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة بضمان النظام العام والسلامة العامة للسكان الفلسطينيين، غير أن الاستهداف الممنهج للمؤسسات المدنية أدى إلى تعميق حالة الفوضى والاضطراب داخل القطاع.
استهداف يتجاوز الأفراد إلى المؤسسات
ولا تقتصر الهجمات على عناصر الشرطة فحسب، بل تشمل البنية المؤسسية المرتبطة بمنظومة الأمن والعدالة.
فبحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، انتهج الاحتلال منذ بداية الحرب سياسة منظمة لتقويض النظام العام عبر استهداف مراكز الشرطة والمحاكم والسجون والمؤسسات العدلية، إلى جانب استهداف العاملين في تأمين المساعدات الإنسانية وحماية الممتلكات العامة.
ويرى المرصد أن هذه السياسة لا تهدف فقط إلى إضعاف الأجهزة المدنية، بل إلى خلق بيئة من الفوضى والانفلات الأمني تدفع المجتمع الفلسطيني إلى مواجهة أزمات داخلية متفاقمة، في ظل غياب المؤسسات القادرة على فرض القانون وحماية المواطنين.
وأشار إلى أن استهداف مراكز الشرطة والعاملين فيها يحد من قدرة السكان على اللجوء إلى المؤسسات الرسمية لتقديم الشكاوى أو طلب الحماية، ما يفتح الباب أمام انتشار الجريمة وأشكال العدالة الفردية وأخذ الحقوق بالقوة.
انعكاسات خطيرة على الواقع الإنساني
وتأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه، مع استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية.
ويؤكد مراقبون أن استمرار استهداف عناصر الشرطة ينعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين، خصوصاً في ظل الحاجة المتزايدة إلى تنظيم توزيع المساعدات الإنسانية وتأمين الأسواق ومنع عمليات السطو والسرقة التي قد تنشأ في بيئات النزاع الطويلة.
كما يؤدي إضعاف الأجهزة المدنية إلى تعقيد جهود الإغاثة الإنسانية، خاصة مع اعتماد المنظمات الدولية والجهات العاملة في المجال الإنساني على وجود حد أدنى من النظام العام لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
ويرى مختصون أن غياب مؤسسات إنفاذ القانون في أوقات الأزمات لا يؤدي فقط إلى تدهور الأوضاع الأمنية، بل يضاعف معاناة المدنيين ويزيد من هشاشة المجتمع في مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية.
أبعاد قانونية متزايدة
وتعزز المواقف الأممية الأخيرة الجدل القانوني المتصاعد بشأن طبيعة الاستهدافات الإسرائيلية للمؤسسات المدنية في قطاع غزة.
فالقانون الدولي الإنساني يميز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويمنح الحماية للمدنيين والعاملين في المؤسسات المدنية، بما في ذلك أفراد الشرطة الذين يؤدون مهاماً اعتيادية تتعلق بحفظ الأمن والنظام العام.
ويؤكد خبراء قانونيون أن أي استهداف لعناصر الشرطة أثناء قيامهم بمهام مدنية، دون وجود دليل على مشاركتهم المباشرة في الأعمال القتالية، يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الاحتلال بقواعد القانون الدولي الإنساني.
كما أن تكرار هذه الهجمات على مدار أشهر، واستهدافها مواقع شرطية ومؤسسات مدنية مختلفة، يدفع العديد من المنظمات الحقوقية إلى الحديث عن نمط متكرر وليس حوادث منفصلة.
نحو فوضى ممنهجة
في ظل استمرار الحرب، وتكرار الهجمات على المؤسسات المدنية، تتزايد التحذيرات من أن قطاع غزة يواجه محاولة ممنهجة لتفكيك منظومة الأمن والعدالة والخدمات العامة، بما يهدد الاستقرار المجتمعي ويعمق معاناة السكان.
ويرى مراقبون أن استهداف الشرطة لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للحرب، التي طالت مختلف القطاعات الحيوية، من المستشفيات والمدارس إلى البنية التحتية ومرافق الخدمات الأساسية.
ومع تواصل سقوط الضحايا المدنيين واستمرار تراجع قدرة المؤسسات العامة على أداء مهامها، تتصاعد الدعوات الدولية إلى توفير الحماية للمدنيين والمؤسسات المدنية، ووقف السياسات التي تسهم في نشر الفوضى وتقويض مقومات الحياة الأساسية في قطاع غزة.
وفي وقت تتزايد فيه التحذيرات الحقوقية والأممية، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة المجتمع الدولي على وقف استهداف المؤسسات المدنية، ومنع انزلاق القطاع نحو مزيد من الفوضى والانهيار في ظل حرب دخلت مراحلها الأكثر تدميراً وتعقيداً.
استهداف الشرطة في غزة.. سياسة إسرائيلية لتفكيك النظام العام وإغراق القطاع في الفوضى
الرسالة نت-متابعة