أعادت عملية إطلاق النار التي وقعت قرب مستوطنة كوخاف يائير داخل الخط الأخضر ملف المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية إلى واجهة المشهد مجدداً، ليس فقط بسبب الخسائر التي خلفتها، وإنما بسبب هوية منفذيها والتداعيات السياسية والأمنية التي يُتوقع أن تترتب عليها خلال المرحلة المقبلة.
فالعملية تأتي في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية حالة من التوتر المتواصل بفعل الحرب المستمرة على قطاع غزة، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتصعيد المتكرر في القدس، ما يجعل أي حدث أمني جديد جزءاً من سياق أوسع من المواجهة المستمرة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي.
وتكتسب العملية أهمية إضافية في الأوساط الإسرائيلية بسبب المؤشرات الأولية التي تحدثت عن مشاركة فلسطينيين من داخل الخط الأخضر، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة نقاشات إسرائيلية قديمة حول علاقة فلسطينيي الداخل بالقضية الفلسطينية، وحدود قدرة السياسات الإسرائيلية على فصلهم عن التطورات الجارية في غزة والضفة الغربية والقدس.
تداعيات تتجاوز الحدث الأمني
وفق المعطيات الإسرائيلية، أسفرت العملية عن مقتل إسرائيلي وإصابة عدد آخر، فيما أعلنت السلطات الإسرائيلية مقتل المنفذين بعد مطاردتهما.
وسرعان ما تحولت العملية إلى مادة سجال سياسي داخل إسرائيل، حيث صدرت تصريحات حادة من وزراء في الحكومة اليمينية، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اللذان دعوا إلى تشديد الإجراءات الأمنية واتخاذ خطوات إضافية داخل المجتمع العربي في إسرائيل.
ويرى مراقبون أن ردود الفعل الإسرائيلية لا ترتبط فقط بالعملية نفسها، بل بالخوف من اتساع دائرة التوتر داخل الخط الأخضر، خاصة في ظل تراكم حالة الاحتقان الناتجة عن الحرب المستمرة وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
فلسطينيو الداخل في قلب المشهد
ويقول الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى إن أحد أبرز أبعاد العملية يتمثل في كون منفذيها، من فلسطينيي الداخل، وهو ما يمنحها بعداً سياسياً وأمنياً خاصاً بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية.
ويشير مصطفى إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى مثل هذه الأحداث باعتبارها مؤشراً على وجود تحديات داخلية يصعب التعامل معها عبر الأدوات التقليدية المستخدمة في الضفة الغربية.
ويضيف أن المخاوف الإسرائيلية تتزايد كلما ارتبطت الأحداث الأمنية بفلسطينيي الداخل، لأن ذلك يطرح تساؤلات حول فاعلية السياسات التي سعت لعقود إلى دمجهم أو عزلهم عن القضية الفلسطينية الأوسع.
كما توقع محللون أن تشهد الفترة المقبلة تصاعداً في الخطاب التحريضي من قبل أحزاب اليمين الإسرائيلي ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
وفي هذا السياق، يحذر مصطفى من إمكانية لجوء السلطات الإسرائيلية إلى إجراءات أمنية إضافية تشمل حملات اعتقال ومداهمات وتشديد الرقابة الأمنية في المدن والبلدات العربية.
كما يتوقع مراقبون أن تُستثمر العملية سياسياً من قبل أطراف في الائتلاف الحاكم لتعزيز خطابها الأمني، خصوصاً في ظل الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن أدائها الأمني خلال السنوات الأخيرة.
من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة أن العملية تعيد طرح أسئلة جوهرية حول فعالية المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
ويشير في تصريحات صحفية إلى أن إسرائيل تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الأمنية تطوراً في العالم، تشمل أنظمة مراقبة متقدمة وشبكات استخبارات واسعة وحضوراً أمنياً مكثفاً، إلا أن ذلك لم يمنع وقوع عمليات وهجمات خلال السنوات الأخيرة.
ويضيف أن التحدي الأكبر بالنسبة لإسرائيل لا يكمن فقط في الجوانب الأمنية، بل في البيئة السياسية والصراعية المستمرة التي تنتج بشكل متكرر حالات من التوتر والعنف.
وحدة الساحات الفلسطينية
وتسلط العملية الضوء مجدداً على الترابط القائم بين التطورات في غزة والضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني.
فخلال السنوات الماضية أظهرت محطات عديدة، أبرزها أحداث مايو/أيار 2021، أن ما يجري في إحدى الساحات الفلسطينية ينعكس سريعاً على الساحات الأخرى، سواء على المستوى الشعبي أو السياسي.
ويرى محللون أن استمرار الحرب في غزة والتصعيد في الضفة الغربية يسهمان في إبقاء حالة التوتر قائمة في مختلف المناطق الفلسطينية، ويعززان الشعور بوحدة المصير لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين.
كما يرجح مراقبون أن العملية تدفع إسرائيل نحو مزيد من الإجراءات الأمنية والتشريعات المرتبطة بالداخل الفلسطيني، بالتوازي مع محاولات تعزيز القبضة الأمنية في الضفة الغربية.
لكن خبراء إسرائيليين وفلسطينيين يشيرون في الوقت نفسه إلى أن المقاربة الأمنية وحدها لم تنجح تاريخياً في إنهاء أسباب التوتر أو منع تجدد المواجهات.
وفي ظل استمرار الحرب على غزة، وتصاعد العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وتواصل التوتر في القدس، تبدو المنطقة مرشحة لمزيد من الاحتقان خلال المرحلة المقبلة.
وبينما تنظر إسرائيل إلى العملية باعتبارها تحدياً أمنياً جديداً، يرى محللون أن الحدث يعكس أيضاً عمق الأزمة السياسية القائمة، واستمرار تأثير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على مختلف الجغرافيا الفلسطينية، بما في ذلك الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، الأمر الذي يجعل تداعيات العملية أبعد من كونها حادثاً أمنياً عابراً، لتتحول إلى مؤشر جديد على تعقيدات المشهد في المرحلة الراهنة.
عملية كوخاف يائير.. وحدة الساحات تربك الحسابات الإسرائيلية
الرسالة نت-متابعة