قائمة الموقع

تدمير الزراعة في غزة.. استهداف للأمن الغذائي وإعادة تشكيل للاقتصاد المحلي

2026-06-06T16:30:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم تقتصر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على استهداف البنية التحتية والمنازل والمنشآت المدنية، بل امتدت إلى أحد أهم القطاعات الإنتاجية والحيوية في القطاع، وهو القطاع الزراعي، الذي تعرض لعمليات تدمير وتجريف واسعة أدت إلى انهيار غير مسبوق في قدرته على الإنتاج، وسط تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد على الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي.

ويرى خبراء أن ما تعرضت له الأراضي الزراعية ومصادر المياه والبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج الزراعي يتجاوز حدود الخسائر الاقتصادية المباشرة، ليشكل ضربة استراتيجية لمقومات الصمود الفلسطيني، عبر تقويض القدرة المحلية على إنتاج الغذاء وتعزيز الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

تراجع حاد في القدرة الإنتاجية
وفق معطيات وزارة الزراعة في غزة، تراجعت المساحات المزروعة إلى أقل من 15% من قدرتها الإنتاجية المعتادة، نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وشبكات الري ومصادر المياه، إضافة إلى النقص الحاد في البذور والأسمدة والمبيدات والمعدات الزراعية.

وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن أكثر من 94% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، والبالغة مساحتها نحو 178 ألف دونم، تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة خلال الحرب، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي من نحو 405 آلاف طن سنوياً إلى ما يقارب 28 ألف طن فقط.

كما تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن غالبية الأراضي الزراعية باتت إما مدمرة أو غير قابلة للوصول، فيما انخفضت المساحات المتاحة للزراعة إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
استهداف مباشر لمنظومة الغذاء

ويؤكد فاضل الزعبي، خبير الأمن الغذائي والمستشار الإقليمي للسياسات في منظمة "الفاو"، أن المؤشرات الميدانية وبيانات الأقمار الصناعية تكشف عن استهداف واسع لمكونات منظومة الإنتاج الغذائي في قطاع غزة.
وبحسب الزعبي، تعرضت 87% من الأراضي الزراعية و87% من الآبار الزراعية و80% من البيوت المحمية لأضرار متفاوتة، ما أدى إلى شلل كبير في القطاع الذي كان يؤمن مصادر دخل ومعيشة لنحو 560 ألف شخص.

ويضيف أن الأضرار لم تقتصر على الأراضي الزراعية فقط، بل شملت شبكات الري، ومخازن الحصاد، والثروة الحيوانية، والأشجار المعمرة، حيث تشير التقديرات إلى تدمير نحو 3.8 ملايين شجرة مثمرة، من بينها نحو 1.6 مليون شجرة زيتون.

ويرى أن هذا الواقع لا يهدد الإنتاج الزراعي الحالي فحسب، بل ينعكس على مستقبل الأمن الغذائي لعقود مقبلة، خاصة أن إعادة تأهيل الأشجار المعمرة واستعادة قدرتها الإنتاجية تحتاج إلى سنوات طويلة.

ويحذر مختصون من أن تراجع الإنتاج الزراعي المحلي يؤدي إلى زيادة الاعتماد على المساعدات الغذائية الخارجية في وقت يعاني فيه القطاع من قيود مشددة على إدخال المواد الغذائية والسلع الأساسية.
ويصف الزعبي هذا الواقع بأنه انتقال من أزمة غذائية مؤقتة إلى حالة من "التبعية الغذائية"، حيث تصبح قدرة السكان على الحصول على الغذاء مرتبطة بالمساعدات الخارجية بدلاً من الإنتاج المحلي.

ويؤكد أن تدمير مقومات الإنتاج الزراعي يساهم في تقليص قدرة المجتمع على التعافي الذاتي، ويضعف أحد أهم عناصر الصمود الاقتصادي والاجتماعي في قطاع غزة.

وفي موازاة الدمار الواسع، تواجه جهود إعادة تأهيل القطاع الزراعي تحديات كبيرة تتعلق بنقص التمويل.
وكانت منظمة "الفاو" قد أطلقت نداءً عاجلاً لتوفير 75 مليون دولار لدعم المزارعين بالبذور والأعلاف ومعدات الري والمدخلات الزراعية الأساسية، إلا أن نسبة التمويل المتوفرة ما تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات الفعلية.

ويؤكد خبراء أن استمرار فجوة التمويل سيؤخر عمليات استصلاح الأراضي وإعادة تشغيل الآبار وشبكات الري، ما يطيل أمد الأزمة الغذائية ويؤثر على فرص التعافي الاقتصادي.

إعادة هندسة الاقتصاد المحلي
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما جرى في القطاع الزراعي لا يمكن فصله عن التحولات الاقتصادية الأوسع التي يشهدها قطاع غزة.
ويشير خلال حديثه لـ "الرسالة نت" إلى أن المناطق الواقعة ضمن ما يعرف بـ"الخط الأصفر" تضم النسبة الأكبر من الأراضي الزراعية الخصبة، والتي شكلت تاريخياً العمود الفقري للإنتاج الغذائي المحلي ومصدر دخل لآلاف الأسر.

وبحسب تقديراته، كان القطاع الزراعي يساهم بأكثر من 11% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، إلا أن تدمير الأراضي ومنع الوصول إليها أخرج جزءاً كبيراً من هذه المنظومة من الخدمة.

كما طالت الأضرار القطاع الصناعي ومرافق الإنتاج المختلفة، ما أدى إلى توقف آلاف المنشآت الاقتصادية، وفاقم معدلات البطالة والفقر.

ووفق تقديرات اقتصادية، سجل اقتصاد غزة خلال عام 2025 انكماشاً تجاوز 87% مقارنة بما قبل الحرب، بينما ارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من 80%، ووصلت نسب الفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
ومع استمرار الدمار الواسع ونقص التمويل وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، يواجه قطاع غزة تحدياً حقيقياً يتمثل في استعادة قدرته على إنتاج الغذاء وتأمين احتياجات السكان الأساسية.

ويرى مختصون أن إعادة بناء القطاع الزراعي لم تعد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبحت ضرورة إنسانية واستراتيجية مرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والتعافي الاقتصادي، في ظل المخاوف من أن يؤدي استمرار تدهور هذا القطاع إلى ترسيخ الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الخارجية وإضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والإنتاج.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00