على مدار أربعٍ وعشرين ساعة يوميًا، يجلس والد الطفلة شام أبو دية إلى جوارها، لا يغادر مكانه إلا للضرورة القصوى. يعرف الأب أن دقيقة واحدة من الغياب قد تكون كافية لحدوث كارثة، لذلك يراقبها باستمرار، ويتابع أجهزة العلاج والأنبوب الموصول إلى جسدها، وكأنه يحرس حياتها لحظة بلحظة.
تتمدد الطفلة شام أبو دية على فراشها داخل خيمة النزوح، شبه غائبة عما يدور حولها. لا تعرف شيئًا عن اللعب أو الركض أو ضحكات الأطفال التي تملأ الأماكن عادة. حياتها محكومة بمرض نادر وخطير يسبب هبوطًا حادًا ومزمنًا في مستوى السكر في الدم، ما يجعلها بحاجة إلى تزويد جسدها بالسكر بصورة مستمرة على مدار الساعة.
ويمتد من بطنها خرطوم طبي يضخ السكر والعلاج بشكل دائم، في محاولة للحفاظ على استقرار حالتها ومنع تعرضها لنوبات الهبوط التي قد تهدد حياتها في أي لحظة.
يقول والدها بصوت يملؤه العجز والألم: "ابنتي تعاني من حرق سريع ونادر في السكر، وعلاجها غير متوفر هنا. تحتاج إلى السكر بشكل مستمر طوال الوقت. لقد فقدت أسنانها بسبب المرض، والأطباء يحذرون من أنها قد تفقد بصرها وحواسها تدريجيًا إذا استمرت معاناتها دون علاج مناسب".
يصمت قليلًا قبل أن يضيف: "أشاهد ابنتي تموت أمامي كل يوم، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا".
لم تسرق الحرب من شام بيتها فقط، بل سرقت منها طفولتها أيضًا. فبينما يركض الأطفال خارج الخيام ويلعبون في الأزقة الضيقة، تبقى هي حبيسة فراشها، عاجزة حتى عن تجاوز باب الخيمة.
ويشرح والدها أن أي حركة أو مجهود بسيط قد يعرضها لانخفاض خطير في السكر، ما قد يؤدي إلى فقدانها الوعي أو سقوطها بشكل مفاجئ. لذلك أصبحت الخيمة حدود عالمها الصغير، فيما تحولت حياة والدها إلى مراقبة دائمة لا تنتهي.
في قطاع غزة، حيث يعاني النظام الصحي من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، تواجه شام معركة يومية من أجل البقاء. وبينما يواصل والدها السهر إلى جوارها ليلًا ونهارًا، يبقى أمله الوحيد أن تحصل ابنته على العلاج الذي قد ينقذ ما تبقى من طفولتها ويمنحها فرصة للحياة.
كل ما يريده الأب اليوم ليس أكثر من أن يرى ابنته تعيش كأي طفلة أخرى؛ تمشي بلا خوف، وتلعب بلا أجهزة أو أنابيب، وتستيقظ صباحًا لتفكر في ألعابها وأحلامها الصغيرة، لا في جرعات السكر التي تبقيها على قيد الحياة.
وبحسب تقديرات أطباء مختصين، يعيش نحو 2500 طفل مصاب بالسكري من النوع الأول معركة يومية للحصول على الإنسولين والرعاية الطبية اللازمة. وفي ظل تدهور المنظومة الصحية ونقص الأدوية وانتشار سوء التغذية، تتفاقم معاناة هؤلاء الأطفال وتزداد مخاطر تعرضهم لمضاعفات قد تهدد حياتهم.
وبين آلاف الأطفال الذين ينتظرون الدواء والغذاء، تبقى شام مستلقية على فراشها داخل خيمة النزوح، يراقب والدها أنبوب السكر الموصول بجسدها خشية أن يخطفها المرض في لحظة غفلة. وبينما يحلم الأطفال باللعب والركض واكتشاف العالم، لا تحلم شام اليوم بأكثر من يومٍ واحدٍ تستطيع فيه أن تعيش طفولتها بعيدًا عن الأجهزة والأنابيب والخوف الدائم من الموت.
"شام تموت ببطء أمام عيني".. طفلة من غزة تعيش على السكر على مدار الساعة
الرسالة نت-خاص