كشفت منظمة "مراسلون بلا حدود" عن شهادات صادمة لخمسة صحفيين فلسطينيين من قطاع غزة تعرضوا للاعتقال داخل السجون الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مؤكدة أن بعضهم استُهدف بشكل مباشر بسبب عمله الصحفي، وتعرضوا لاستجوابات وتعذيب ومعاملة وصفتها المنظمة بـ"اللاإنسانية".
وبحسب تحقيق نشرته المنظمة الحقوقية الدولية في 19 مايو/أيار 2026، فإن الصحفيين الخمسة، وهم شادي أبو سيدو، وعلاء السراج، وضياء الكحلوت، وعماد الإفرنجي، إضافة إلى صحفي خامس طلب عدم الكشف عن هويته، تعرضوا للاعتقال رغم تعريف أنفسهم للجنود الإسرائيليين كصحفيين وإبراز بطاقاتهم الصحفية.
572 يوماً خلف القضبان
وتروي المنظمة قصة الصحفي شادي أبو سيدو، مراسل قناة "فلسطين اليوم"، الذي اعتُقل من داخل مجمع الشفاء الطبي في 18 مارس/آذار 2024، وقضى 572 يوماً متنقلاً بين قاعدة "سديه تيمان" العسكرية وسجني عوفر وكتسيوت.
ووفق شهادته، تعرض للضرب المبرح والتهديد المباشر بسبب عمله الصحفي، ما أدى إلى فقدانه البصر في عينه اليمنى وإصابته بأمراض جسدية ونفسية لا تزال تمنعه من العودة إلى الميدان حتى اليوم.
كما أفاد مصور شركة "عين ميديا" للإنتاج علاء السراج بأنه اعتُقل عند حاجز نتساريم في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد التحقق من هويته الصحفية، مؤكداً أن المحققين أبلغوه صراحة أن سبب احتجازه يعود إلى كونه صحفياً.
استجوابات ركزت على العمل الإعلامي
ووفق تقرير "مراسلون بلا حدود"، فإن الاستجوابات التي خضع لها الصحفيون لم تقتصر على أسئلة أمنية عامة، بل ركزت بصورة مباشرة على نشاطهم الإعلامي ومصادرهم وشبكة علاقاتهم المهنية وطبيعة التغطيات التي أنجزوها داخل غزة.
وقال الصحفيون إن محققي جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك" استفسروا عن مقابلات صحفية وتقارير ميدانية وأسماء صحفيين آخرين، في مؤشر اعتبرته المنظمة دليلاً على استهداف العمل الصحفي ذاته.
ومن بين الشهادات التي وثقتها المنظمة، تأكيد مدير مكتب صحيفة "القدس" في غزة عماد الإفرنجي أنه خضع لسلسلة استجوابات تركزت حول مقابلة صحفية أجراها قبل أكثر من عقد مع القيادي الفلسطيني الراحل يحيى السنوار.
معسكر تعذيب
وأكد الصحفيون الخمسة أن قاعدة "سديه تيمان" العسكرية كانت المحطة الأولى لاعتقالهم، حيث تحدثوا عن ظروف احتجاز قاسية شملت الضرب المتكرر، والتجويع، والحرمان من النوم، ومنع العلاج الطبي، والإبقاء على المعتقلين معصوبي الأعين لفترات طويلة.
وأشارت المنظمة إلى أن منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية سبق أن وصفت القاعدة بأنها "معسكر تعذيب"، فيما تحدث المعتقلون عن مشاهدة انتهاكات جسيمة بحق أسرى آخرين داخلها.
كما وثقت المنظمة استخدام زنازين شديدة البرودة أطلق عليها المعتقلون اسم "الثلاجة"، إضافة إلى غرف تُبث فيها الموسيقى الصاخبة بشكل متواصل بهدف إنهاك المعتقلين نفسياً.
غطاء قضائي للاعتقال
وأشار التحقيق إلى أن السلطات الإسرائيلية اعتمدت على قانون "المقاتلين غير الشرعيين" لتبرير استمرار احتجاز الصحفيين لفترات طويلة دون محاكمات فعلية، عبر جلسات قصيرة عُقدت عن بُعد ومن دون حضور محامين.
ونقلت المنظمة عن بعض الصحفيين أنهم حاولوا التأكيد أمام القضاة على صفتهم الصحفية وحمايتهم بموجب القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، إلا أن ذلك لم يمنع تمديد اعتقالهم.
19 صحفياً ما زالوا خلف القضبان
وأكدت "مراسلون بلا حدود" أن 19 صحفياً فلسطينياً لا يزالون رهن الاحتجاز الإسرائيلي حتى الآن، بينهم صحفيون اعتُقلوا من داخل قطاع غزة بعد اندلاع الحرب.
وقال مدير مكتب الأزمات في المنظمة مارتن رو إن الوقائع الموثقة "تدين السلطات الإسرائيلية بكل أجهزتها"، معتبراً أن تكرار هذه الممارسات يكشف عن "اضطهاد ممنهج للصحفيين الفلسطينيين بهدف منع التغطية الإعلامية للانتهاكات".
ويأتي هذا التقرير في وقت تواصل فيه المؤسسات الحقوقية الدولية التحذير من تدهور أوضاع الصحفيين الفلسطينيين، وسط تصاعد المخاوف من استهداف العمل الإعلامي وتقييد التغطية المستقلة للأحداث الجارية في قطاع غزة.