لا يزال القرار الأممي القاضي بإدراج دولة الاحتلال الإسرائيلي ضمن القائمة الدولية لمرتكبي العنف الجنسي والانتهاكات بحق المعتقلين الفلسطينيين يثير موجة عارمة من النقاشات والتساؤلات المقلقة في الأوساط الإسرائيلية، وسط تحذيرات جدية من ملاحقة جنود وضباط الجيش وتعرضهم لخطر التوقيف في الخارج وتآكل شرعية الدولة الدولية.
وفي هذا الصدد، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية بأن قرار هيئة الأمم المتحدة بوضع السلطات الإسرائيلية في "القائمة السوداء" للمتورطين في ممارسات العنف الجنسي الجسيم بحق الأسرى الفلسطينيين يفتح الباب أمام هواجس وتساؤلات بالغة الحساسية، متمثلة في مدى إمكانية تعرض عناصر الجيش والمخابرات للاعتقال والملاحقة القضائية خارج حدود البلاد.
إذا ما كانت الخطوة مجرد مناورة سياسية إضافية ضد الكيان، أم أنها تمثل إنذاراً قانونياً مؤثراً قد تستند إليه محكمة لاهاي الدولية، وما سيؤول إليه مستقبل التنسيق الأمني والعسكري لإسرائيل على المستويين الإقليمي والدولي.
وذكرت الصحيفة، وفق تقرير نقله موقع "عربي21"، أن خبراء إسرائيليين في القانون الدولي يبدون قلقهم من التبعات الكارثية للتقرير على المظهر الدبلوماسي لإسرائيل، لكنهم يتباينون حول مصداقية المعطيات المنشورة والآليات الواجب اتباعها لمحاصرة التداعيات المستقبلية للقرار.
ونقلت الصحيفة عن رئيس مركز الأمن القومي في معهد الديمقراطية الإسرائيلي والرئيس السابق لشعبة القانون الدولي بالنيابة العسكرية، المقدم عيران شامير-بورار.
توضيحه أن النتائج الفورية المترتبة على هذا التقرير الأممي ستنعكس بالدرجة الأولى على المنظومة الإعلامية والدبلوماسية والعامة، حيث يسهم القرار في تشويه صورة الأجهزة الأمنية وإلحاق ضرر فادح بشرعية إسرائيل جراء إلصاق تهم جنائية خطيرة بها ووضعها في قائمة سوداء دولية.
ونبه بورار إلى وجود ارتدادات غير مباشرة وأكثر خطورة، إذ يمكن لجمهورية جنوب أفريقيا توظيف هذا التقرير لدعم دعواها القضائية ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية.
فضلاً عن إمكانية تضرر التعاون الاستخباراتي والأمني مع القوى الحليفة، وتوسيع رقعة العقوبات الفردية المفروضة على مسؤولين إسرائيليين، والـتأثير المباشر على التحقيقات الجنائية التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بما يرفع من فرص استصدار مذكرات اعتقال دولية.
وذكر المسؤول القانوني السابق أن القائمة السوداء لم تقتصر على الجيش الإسرائيلي بمفرده، بل شملت عموم الأجهزة المسلحة والأمنية ومنها مصلحة السجون بناءً على ادعاءات بوقوع ممارسات داخل مراكز التوقيف والشرطة.
مستبعداً في الوقت ذاته أن يواجه الطاقم الإداري الحالي خطر الاعتقال الفوري ما لم يتم جمع قرائن شخصية كافية تدين الفرد بعينه أو تثبت مسؤوليته القيادية المباشرة عن الانتهاكات.
وشدد بورار على أن الضمانة الأساسية لتحصين الأفراد من الملاحقات الخارجية تتمثل في قيام إسرائيل بواجبها في إجراء تحقيقات داخلية جدية وتقديم المتورطين للمحاسبة، محذراً من خطورة الاستخفاف بهذه الاتهامات كونها تأتي ضمن مناخ دبلوماسي وقانوني دولي خانق يحيط بإسرائيل بسبب حرب غزة.
واعتبر أن ترك الساحة الإعلامية والدبلوماسية لمسؤولي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية سيؤدي لحتمية انتصار روايتهم وتحميل الكيان أثماناً باهظة.
ودعا إلى عدم الاكتفاء بصب الهجوم على الطابع السياسي للتقرير، بل اتخاذ تدابير موضوعية لإثبات زيف الادعاءات ومراجعة الشكاوى الخاصة بالانتهاكات لقطع الطريق على الرواية المناهضة، لا سيما في ظل المنع المستمر لزيارات الصليب الأحمر منذ اندلاع المواجهة، وهو المعطى الذي يوحي دولياً بأن إسرائيل تحاول حجب الحقائق وتغطية التجاوزات.
من جانبه، ادعى متخصص القانون الدولي، المحامي يوفال ساسون، أن التقرير يعكس مساعي أممية لمجاراة التوازنات والسياسات العالمية، مستدركاً بأن مثل هذه التقارير تملك فاعلية وقدرة على التأثير والتوظيف ضد إسرائيل من الهيئات الأممي.
مذكراً بامتثال محكمة لاهاي لملف المجاعة واستصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء ووزير الأمن السابق، وهو ما يعزز المخاوف القائمة بشأن إمكانية احتجاز وتوقيف الجنود أثناء سفرهم للخارج.
واستطرد ساسون بالإشارة إلى أن هناك ملفات عدة قيد المتابعة تغذت من التصريحات غير المحسوبة لبعض الساسة الإسرائيليين، والذين يسهمون في تحريك الأدوات القانونية ضد الدولة سواء فيما يخص الانتهاكات الميدانية أو التشكيك في قدرة المنظومة القضائية الإسرائيلية على التحقيق والمساءلة الذاتية.
الأمر الذي يحتم على إسرائيل التعاطي بجدية مع هذه المعضلة القانونية بالرغم من الانحياز الواضح للجهات التي صاغت التقرير، مؤكداً أنه كان الأجدى بالمنظومة الداخلية تولي التحقيق والمقاضاة بشكل مبكر لتفادي العزلة الدولية.