لم تكن حلا حسن رباح لبد، ذات الأعوام التسعة، تعلم أن نومها الليلة الماضية سيكون الأخير بين أفراد عائلتها.
كانت طفلة كغيرها من أطفال غزة، تنام إلى جوار أسرتها داخل الشقة التي تجمعهم في شارع المخابرات شمال غرب مدينة غزة. لم تكن تعرف أن الصاروخ الذي شق ظلام الليل سيبدل حياتها إلى الأبد، وأنها عندما تفتح عينيها من جديد لن تجد أمًا تربت على كتفها، ولا أبًا يطمئن عليها، ولا إخوة يشاركونها تفاصيل يومها.
استهدفت غارة إسرائيلية الشقة السكنية التي كانت تؤوي العائلة، فاستشهد الأب حسن رباح لبد، والأم منار إبراهيم لبد، والأشقاء محمد ورهف وتميم، بينما بقيت حلا الناجية الوحيدة من بين أفراد الأسرة.
استيقظت الطفلة في المستشفى على واقع لم تكن قادرة على استيعابه. لم يكن الألم في جسدها هو الأصعب، بل الحقيقة التي كانت تنتظرها: البيت الذي كان يضج بالحياة أصبح ركامًا، والعائلة التي كانت تملأ المكان ضحكًا وحديثًا وصخبًا رحلت كلها دفعة واحدة.
لم يبقَ لحلا أحد تناديه "أبي"، ولا أحد تهمس له "أمي". لم يبقَ لها إخوة تتشاجر معهم ثم تصالحهم، ولا وجوه مألوفة تنتظرها عند عودتها إلى المنزل. بقيت وحدها تحمل أسماءهم في ذاكرتها، وتحمل معهم طفولة سُرقت قبل أوانها.
في غزة، لا تنتهي المأساة عند لحظة القصف. فبعض الأطفال ينجون بأجسادهم، لكنهم يستيقظون ليجدوا أنفسهم الناجين الوحيدين من عائلات كاملة. وحلا واحدة من هؤلاء الأطفال الذين تحولت حياتهم في لحظة من دفء الأسرة إلى وحدة ثقيلة لا تشبه أعمارهم الصغيرة.
وتجسد قصة حلا جانبًا من المأساة الإنسانية المتواصلة في قطاع غزة، حيث أبادت الحرب آلاف العائلات الفلسطينية بالكامل. ووفق بيانات رسمية فلسطينية، فقد مُسحت أكثر من 2200 عائلة من السجل المدني منذ بدء الحرب، بينما فقدت آلاف العائلات معظم أفرادها ولم يتبقَّ منها سوى ناجٍ واحد يحمل ذاكرة الأسرة بأكملها.
أما حلا، فستكبر وهي تحمل مهمة لم تخترها يومًا؛ أن تكون الشاهدة الوحيدة على عائلة كانت هنا ذات يوم، ثم اختفت تحت الركام في ليلة واحدة.