قائمة الموقع

قبل يوم من الفرح.. محمد غراب ينجو وحيدًا من مجزرة أبادت عائلته وتُبقي حلم الطب حيًا

2026-06-04T09:53:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

 في كل مرة يرتدي فيها محمد كمال غراب معطفه الأبيض، يعود به الزمن إلى منزل لم يعد موجودًا، وإلى أصوات أفراد عائلته الذين كانوا يحلمون برؤيته طبيبًا قبل أن يبتلعهم القصف جميعًا في ليلة واحدة.
يقول محمد: "حلمي وحلم أبي وأمي -رحمهما الله- أن أنهي الثانوية العامة وأدخل كلية الطب، فالحمد لله حققت ما كانوا يتمنونه وما أتمناه".
لم يكن هذا الحلم يخصه وحده. كان مشروع عائلة كاملة آمنت بابنها وساندته حتى آخر لحظة. لكن الحرب جاءت لتختبر ذلك الحلم بأقسى صورة ممكنة.
ولكن وفي مطلع أبريل/نيسان 2025، كانت عائلة غراب تعيش حالة نادرة من الفرح وسط أجواء الحرب. فشقيقه أحمد كان يستعد للزفاف في الثامن من أبريل، والبيت منشغل بالتجهيزات الأخيرة واستقبال التهاني وترتيب تفاصيل اليوم المنتظر.
كانت الأسرة تحاول أن تنتزع من الحرب لحظة حياة، وأن تمنح أبناءها سببًا للاحتفال رغم الدمار الذي يحيط بهم من كل جانب.
لكن مساء السابع من أبريل حمل نهاية مختلفة تمامًا.
قبل يوم واحد فقط من موعد الزفاف، استهدفت غارة إسرائيلية منزل العائلة. في لحظات قليلة، انهار كل شيء. تحول البيت الذي كان يستعد لاستقبال المدعوين إلى ركام، واختفت أصوات الضحكات والأحاديث العائلية تحت الأنقاض.
استشهد أحمد، العريس الذي كان ينتظر صباح اليوم التالي لبدء حياته الجديدة. واستشهد معه أفراد الأسرة الذين كانوا يحلمون بمشاركته فرحته. أما محمد، فوجد نفسه الناجي الوحيد من عائلة كاملة.
لم يخسر محمد منزله فقط، بل خسر أباه وأمه وإخوته وذكرياته ومقعده المعتاد بينهم. خسر العائلة التي كانت تتابع خطواته الدراسية وتنتظر يوم تخرجه بفخر.
لكن وسط هذا الفقد الهائل، اتخذ قرارًا صعبًا: ألا يسمح للحرب بأن تقتل الحلم الأخير الذي تركته له عائلته.
عاد إلى مقاعد الدراسة وهو يحمل في ذاكرته صور أحبته، ويواصل طريقه في كلية الطب التي كان والده ووالدته يحلمان أن يرياه فيها. وبين المحاضرات والكتب والامتحانات، يحاول أن يحافظ على الوصية غير المكتوبة التي تركها له الراحلون.
في غزة، حيث تُقصف البيوت وتُمحى عائلات كاملة من السجل المدني، لا تنجو الأرواح فقط. أحيانًا تنجو الأحلام أيضًا.
وحين يتحدث محمد عن مستقبله، لا يبدو الأمر مجرد طموح شخصي لطالب جامعي، بل رسالة وفاء لعائلة رحلت قبل أن ترى ثمار تعبها. فكل خطوة يخطوها نحو التخرج تحمل أسماء من فقدهم، وكل نجاح يحققه هو جزء من الحلم الذي بدأ معهم ولم ينتهِ برحيلهم.
وبينما حُرم أحمد من الوصول إلى يوم زفافه، يواصل محمد السير نحو يوم آخر ينتظره منذ سنوات؛ يوم يقف طبيبًا كما أراد والده ووالدته، وكما أراد هو، شاهداً على أن الحرب قد تأخذ العائلة والمنزل، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تقتل الحلم.
ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد أباد الاحتلال منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 2200 عائلة فلسطينية بالكامل، بقتل الأب والأم وجميع أفراد الأسرة، ومسحها من السجل المدني نهائيًا، فيما فقدت أكثر من 5120 عائلة جميع أفرادها تقريبًا ولم يتبقَّ منها سوى ناجٍ واحد. 
وسط هذه الأرقام الهائلة، يقف محمد كمال غراب شاهدًا على مأساة جيل كامل. نجا وحده من تحت الركام، لكنه يحمل معه وصية عائلة لم تعد موجودة.

اخبار ذات صلة