في واحدة من أبرز الرسائل السياسية والعسكرية التي حملها ظهوره الأخير، وجّه الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، خطابًا حمل أبعادًا تتجاوز الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية الأخيرة، ليؤسس لرواية المقاومة بشأن المرحلة الحالية من الحرب ومسار المفاوضات ومستقبل المواجهة مع الاحتلال.
ولعل الرسالة الأهم التي أراد أبو عبيدة إيصالها تمثلت في تأكيده أن المرونة التي أبدتها المقاومة خلال جولات التفاوض لم تكن انعكاسًا لحالة ضعف أو هزيمة، وإنما جاءت انطلاقًا من الحرص على مصالح الشعب الفلسطيني والتخفيف من معاناته. فبحسب ما عكسته كلمته، فإن المقاومة قدّمت قدرًا كبيرًا من المرونة السياسية حفاظًا على المصلحة الوطنية العليا، لكن ذلك لم ينعكس بأي حال على إرادتها القتالية أو استعدادها لمواصلة المواجهة.
وفي هذا السياق، بدت رسالة أبو عبيدة حاسمة حين أكد أن من يعتقد أن المقاومة تفاوضت من موقع المهزوم، أو أن الضربات التي تلقتها خلال الحرب قد كسرت إرادتها، "فعليه أن يعيد تقدير الموقف".
كما استحضر البعد التاريخي للصراع، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني يخوض معركة تحرر وطني طويلة ومعقدة، وأن الجميع مطالب بتحمل مسؤولياته التاريخية تجاه هذه القضية.
رسائل حادة للاحتلال والوسطاء
وخلال كلمته، وجّه أبو عبيدة رسائل مباشرة إلى الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدًا أن سياسة الاغتيالات لن تنجح في كسر إرادة المقاومة أو تعطيل قدرتها على مواصلة العمل.
وقال إن "فاتورة الحساب ستبقى مفتوحة حتى يدفعها العدو"، معتبرًا أن إسرائيل أخطأت في قراءة المشهد وأساءت تقدير طبيعة المقاومة الفلسطينية وبنيتها التنظيمية.
وأضاف أن الاحتلال يتوهم أن اغتيال القادة سيؤدي إلى إضعاف المقاومة، مشددًا على أن دماء القادة الشهداء تتحول إلى عامل قوة ودافع للاستمرار، لا إلى سبب للتراجع أو الانهيار.
كما وجّه أبو عبيدة رسالة واضحة إلى الوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، داعيًا إياهم إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا وإلزام الاحتلال بتنفيذ تعهداته، محذرًا من أن استمرار الجرائم والانتهاكات يضع الأطراف الضامنة أمام اختبار حقيقي لمسؤولياتها السياسية والأخلاقية.
وأكد أن المقاومة ما زالت ملتزمة بما يخفف معاناة الشعب الفلسطيني، لكنها لن تقبل بأن يتحول التزامها إلى فرصة يستغلها الاحتلال لفرض وقائع جديدة أو مواصلة اعتداءاته.
تأبين القادة ورسالة الاستمرارية
ولم تخلُ الكلمة من بعدٍ تأبيني واضح لقادة كتائب القسام الذين اغتالتهم إسرائيل خلال الفترة الماضية، وفي مقدمتهم رئيس هيئة الأركان الشهيد عز الدين الحداد، الذي وصفه أبو عبيدة بأنه قاد العمليات الدفاعية في شمال قطاع غزة وكان له دور بارز في التخطيط لمعركة السابع من أكتوبر 2023.
كما جاء الخطاب بعد أيام من إعلان الاحتلال اغتيال محمد عودة، الذي تولى قيادة الجناح العسكري عقب استشهاد الحداد.
غير أن الرسالة الأبرز في هذا السياق لم تكن مجرد استذكار القادة الشهداء، بل التأكيد على أن المقاومة تمتلك منظومة مؤسساتية متماسكة قادرة على تعويض خسائرها القيادية ومواصلة العمل دون توقف، وهو ما انعكس في تأكيد أبو عبيدة أن قادة آخرين يواصلون الإعداد والتخطيط للمرحلة المقبلة.
خطاب يعكس ثقة عالية وقدرة على التكيف
وفي هذا السياق يقرأ المحلل السياسي محمد شاهين خطاب أبو عبيدة بأنه عكس مستوى متقدمًا من الثقة بقدرات المقاومة وإرثها التاريخي، مشيرًا إلى أن الخطاب استند إلى ثلاثة محاور رئيسية شكلت بنيته السياسية والعسكرية.
ويقول شاهين لـ "الرسالة نت" إن المحور الأول تمثل في الردع النفسي والمعنوي، حيث نجح الخطاب في تحويل استشهاد القادة إلى عنصر قوة بدلًا من كونه نقطة ضعف، وهو ما ينسجم مع مفهوم "مرونة البنية التنظيمية" و"التكيف المؤسسي" المعروفين في العلوم العسكرية.
أما المحور الثاني، فيتمثل في الضغط السياسي على الوسطاء والضامنين من خلال إعادة تعريف الصراع باعتباره مواجهة بين ضحية وجلاد، وهو توصيف يهدف إلى إحراج الأطراف الدولية ودفعها نحو اتخاذ مواقف أكثر فاعلية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية.
ويضيف شاهين أن المحور الثالث يتعلق بـ الاستمرارية التنظيمية للمقاومة، حيث حرص أبو عبيدة على تأكيد أن البنية القيادية والعسكرية للمقاومة ما زالت تعمل بكفاءة رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها خلال الحرب.
ويشير إلى أن الخطاب حمل كذلك رسالة أمنية واضحة مفادها أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية لم تنجح في تعطيل عمل المقاومة أو شل منظومتها العسكرية، وأن هناك قيادات وخلايا بديلة جاهزة لمواصلة المهام الموكلة إليها.
كما لفت شاهين إلى أن إصرار المقاومة على التمسك بالاتفاقات رغم الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة يمنحها، من وجهة نظرها، مساحة أوسع للتحرك السياسي والقانوني أمام المجتمع الدولي، ويعزز موقعها الأخلاقي في معركة الرواية والرأي العام.
ويرى أن الصبر الذي تحدث عنه الخطاب لا يُقدَّم باعتباره حالة انتظار أو ضعف، بل كأداة استراتيجية تهدف إلى استنزاف الخصم وإعادة ترتيب الأولويات والحفاظ على عناصر القوة اللازمة للمرحلة المقبلة.
كما يعتقد شاهين أن عدم إعلان اسم القائد العام الجديد لكتائب القسام يعكس إدارة أمنية دقيقة للمرحلة الراهنة، ويُظهر حرصًا على حماية البنية القيادية من محاولات الاستهداف الإسرائيلية.
الاحتلال أخطأ في قراءة صمت المقاومة
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن خطاب أبو عبيدة حمل جملة من الرسائل المهمة، أبرزها أن المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، ما زالت متماسكة وقادرة على أداء دورها رغم الضربات القاسية التي تلقتها.
ويؤكد المدهون أن الخطاب أوصل رسالة واضحة مفادها أن عمليات الاغتيال المكثفة التي استهدفت قادة القسام، وآخرهم عز الدين الحداد ومحمد عودة، لن تنجح في إضعاف الكتائب أو التأثير على قدرتها في مواصلة عملها، بل قد تدفعها نحو مزيد من الصلابة والتماسك.
ويضيف أن الاحتلال الإسرائيلي أخطأ في تفسير حالة الصمت النسبي التي انتهجتها المقاومة خلال الفترة الماضية، واعتبرها مؤشرًا على التراجع أو الضعف، بينما كانت المقاومة، بحسب المدهون، تضع أولوية واضحة تتمثل في حماية الشعب الفلسطيني وتخفيف معاناته، دون أن يعني ذلك التنازل عن ثوابتها أو التخلي عن أدوات قوتها.
ويشير إلى أن الخطاب أكد بصورة واضحة أن حماية الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده تبقى أولوية أساسية لدى المقاومة، وأن أي خيارات سياسية أو تفاوضية يجري التعامل معها من هذا المنطلق.
كما يرى المدهون أن البعد التأبيني في كلمة أبو عبيدة حمل في الوقت ذاته رسالة تنظيمية مهمة، إذ لم يقتصر على استذكار القادة الشهداء، بل أكد أن كتائب القسام تمتلك أجيالًا متعاقبة من الكوادر والقيادات القادرة على مواصلة المسيرة واستكمال المهام.
بين الرسائل العسكرية والسياسية
وتكشف مضامين خطاب أبو عبيدة أن المقاومة تسعى إلى إدارة معركة متعددة الأبعاد تتجاوز الميدان العسكري المباشر، لتشمل الحرب النفسية والصراع على الرواية والضغط السياسي والدبلوماسي.
ففي الوقت الذي حرص فيه الخطاب على توجيه رسائل ردع للاحتلال والتأكيد على استمرار الجاهزية، سعى أيضًا إلى مخاطبة الوسطاء والرأي العام العربي والإسلامي والدولي، من خلال التأكيد أن المرونة التفاوضية لا تعني الهزيمة، وأن الحفاظ على مصالح الشعب الفلسطيني لا يتناقض مع مواصلة مشروع المقاومة.
وبذلك بدا الخطاب محاولة لإعادة رسم صورة المرحلة الحالية: مقاومة تؤكد أنها ما زالت حاضرة ومتماسكة رغم خسارة عدد من أبرز قادتها، واحتلال تحاول المقاومة إقناعه بأن الاغتيالات لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، فيما يُدفع الوسطاء والضامنون إلى تحمل مسؤولياتهم في ظل استمرار التوتر واحتمالات التصعيد خلال المرحلة المقبلة.