تقاس قوة الأسواق بقدرة الناس على الشراء، لا بعدد البضائع المعروضة على رفوفها، ومن هذه الزاوية تحديدا تبدو أسواق قطاع غزة اليوم أمام واحدة من أكثر الأزمات الاقتصادية عمقا.
فالمشكلة لم تعد نقصا في سلعة هنا أو ارتفاعا في سعر هناك وإنما انهيارا شبه كامل في العلاقة بين الدخل والاستهلاك والإنتاج، وهي الركائز الأساسية لأي اقتصاد طبيعي.
وتكشف الأرقام حجم الكارثة بصورة أكثر وضوحا من المشاهد اليومية، فحين تصل البطالة إلى نحو 80% ويعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر أو في دائرة انعدام الأمن الغذائي بينما يعتمد نحو 95% من المواطنين على المساعدات الإنسانية للبقاء، فإننا لا نتحدث عن اقتصاد يعاني من الركود فحسب بل عن اقتصاد فقد قدرته على توليد الدخل وتشغيل موارده البشرية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح وجود الأسواق شكليا أكثر منه نشاطا اقتصاديا حقيقيا لأن المستهلك الذي فقد دخله لا يستطيع تحريك عجلة الطلب مهما توفرت السلع.
والأخطر من ذلك أن اقتصاد غزة لا يواجه أزمة طلب فقط وإنما أزمة عرض أيضا، فاستمرار القيود على إدخال البضائع والمواد الخام أدى إلى تعطيل مئات المنشآت الإنتاجية والتجارية وانهيار سلاسل التوريد التي تمثل الشريان الحيوي لأي نشاط اقتصادي.
وتشير التقديرات إلى فقدان أكثر من 70% من الاحتياجات الفعلية للسكان من الأسواق ما خلق بيئة خصبة للاحتكار ورفع الأسعار بنسب تجاوزت 300% لبعض السلع الأساسية.
وفي الاقتصاد، يؤدي تراجع الإنتاج إلى انخفاض الدخل ويؤدي انخفاض الدخل إلى تراجع الاستهلاك، ثم ينعكس ذلك مجددا على الإنتاج والاستثمار فيما يعرف بـ"الدائرة الانكماشية".
وهذا بالضبط ما يحدث في غزة اليوم، فالتاجر لا يبيع لأن الناس لا تملك المال والمستهلك لا يشتري لأنه فقد مصدر رزقه والمصنع لا ينتج بسبب نقص المواد الخام، ما يخلق حلقة مفرغة من التراجع الاقتصادي يصعب كسرها دون تدخلات جذرية.
ولعل أكثر الأرقام دلالة على حجم الانهيار هو انكماش اقتصاد غزة بنسبة 87% خلال عام 2025 مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. فهذا الرقم لا يعبر فقط عن خسائر مالية وإنما عن تآكل القدرة الإنتاجية للمجتمع بأكمله وتراجع فرص العمل والاستثمار وتآكل رأس المال البشري والاقتصادي في آن واحد.
إن إنعاش الأسواق في غزة يبدأ من إعادة بناء البيئة الاقتصادية نفسها عبر فتح تدفق البضائع والمواد الخام واستعادة النشاط الإنتاجي وتوفير فرص العمل والدخل للأسر، وليس من تشجيع الاستهلاك أو زيادة المعروض من السلع فقط.
فالسوق لا يعيش بالبضائع وحدها وإنما بالناس القادرين على شرائها، وهذه هي المعضلة الاقتصادية الحقيقية التي تواجه غزة اليوم.
مقال: غزة.. حين يفقد السوق وظيفته
أحمد أبو قمر